-الأوّل: من هؤلاء العلماء من يتذرّع على سلوكه هذا النهج بأنّ فيه مصلحة الراجحة، و تحت ذريعة الخشية من الفتن و من البلبلة و من تهييج العامّة أحجموا عن قول كلمة الحقّ فيما لا يجوز السكوت عليه من أصول العقيدة، كمسألة الولاء و البراء، و مظاهرة الكفار و نصرتهم على المسلمين، و التحاكم إلى القوانين الوضعية، بل تطوّر ببعضهم الأمر فلم يكتفوا بالسكوت، بل لجأوا إلى النصوص فحرّفوا مدلولها و إفتروا على الله الكذب في كثير من المسائل، و لا حول و لا قوّة إلاّ بالله.
هذا التوسّع في التذرّع بالمصلحة، ماهو ضابطها؟، لا سيما و أنّ الّذي عطّل شريعة الله يتذرّع هو الآخر بالمصلحة.
قال تعالى: - أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا -.
فتأمّل، قالوا: - إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا -، هل قُبل منهم ذلك، أبدا بدليل وصف الله لهم، أوّلا قال: - أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا ... -، و ثانيا قال: - رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ -.
و في مثل هذا قال تعالى واصفا المنافقين الّذين يظهرون الإيمان و يبطنون غيره: - وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ -
قال العلاّمة عبد الرحمن السعدي في تفسير هذه الآية الكريمة: أي: إذا نهي هؤلاء المنافقون عن الإفساد في الأرض وهو العمل بالكفر والمعاصي ومنه إظهار سرائر المؤمنين لعدوّهم وموالاتهم للكافرين - قالوا إنّما نحن مصلحون - فجمعوا بين العمل بالفساد في الأرض وإظهارهم أنّه ليس بإفساد بل هو إصلاح، قلبا للحقائق وجمعا بين فعل الباطل وإعتقاده حقا وهذا أعظم جناية ممن يعمل بالمعصية مع إعتقاد أنّها معصية فهذا أقرب للسلامة وأرجى لرجوعه. ولمّا كان في قولهم: - إنّما نحن مصلحون - حصر للإصلاح في جانبهم وفي ضمنه أنّ المؤمنين ليسوا من أهل الإصلاح قلب الله عليهم دعواهم بقوله - ألا إنّهم هم المفسدون - فإنّه لا أعظم فسادا ممن كفر بآيات الله وصدّ عن سبيل الله وخادع الله وأولياءه ووالى المحاربين لله ورسوله وزعم مع ذلك أنّ هذا إصلاح فهل بعد هذا الفساد فساد؟!! ولكن لا يعلمون علما ينفعهم وإن كانوا قد علموا بذلك علما تقوم به عليهم حجة الله. إنتهى.
هذه المصلحة الّتي باتت صنما يُعبد من دون الله، فمن أراد أن يُعطّل حكما من احكام الله تذرّع بالمصلحة، و من أراد أن يُشرّع قانونا مخالفا للشرع تذرّع بالمصلحة، و من أراد أن يُحرّم ما احلّ الله، و يحلّ ما حرّم الله تذرّع بالمصلحة، من أراد أن ينتهك أعراض المسلمين و ينهب ثرواتهم تذرّع بالمصلحة، من أراد سجن العلماء
و الدعاة الربّانيين تذرّع بالمصلحة.