أقول: في الأزمنة المتأخرة لمّا رأى الناس شرف العلم و أهله طلبوا العلم للمكسب فضيّعوه، أمّا في هذا الزمان فالحكام هم الّذين يبذلون الأموال من أجل أن يتحصل من يرضون عنه العلم فيكون خدما لهم و لسياستهم.
-وأخرج الخطيب وابن عساكر، عن مقاتل بن صالح الخراساني قال: دخلت على حماد بن سلمة، فبينا أنا عنده جالس، إذ دق داق الباب فقال: «يا صبية أخرجي فانظري من هذا! فقالت: هذا رسول محمد بن سليمان الهاشمي - وهو أمير البصرة والكوفة - قال: قولي له يدخل وحده، فدخل وسلم فناوله كتابه، فقال: إقرأه فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم من سليمان إلى حماد بن سلمة. أمّا بعد: فصبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته. وقعت مسألة فأتينا نسألك عنها» فقال: «يا صبية هلمّي الدواة!» ثمّ قال لي: «إقلب الكتاب وأكتب: أمّا بعد فقد صبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته، إنا أدركنا العلماء وهم لا يأتون أحدا، فإن وقعت مسألة فأتنا فاسألنا عمّا بدا لك! وإن أتيتني، فلا تأتني إلاّ وحدك، ولا تأتني بخيلك ورجلك، فلا أنصحك ولا أنصح نفسي، والسلام» فبينما أنا عنده، إذ دق داق الباب فقال: «يا صبية أخرجي فانظري من هذا!» قالت: «هذا محمد بن سليمان، قال: «قولي له يدخل وحده» فدخل، فسلّم ثم جلس بين يديه، ثمّ إبتدأ، فقال: ما لي إذا نظرت إليك إمتلأت رعبا؟!. فقال حماد: «سمعت ثابت البناني يقول: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«إنّ العالم إذا أراد بعلمه وجه الله هابه كلّ شيء، وإذا أراد به أن يكثر به الكنوز، هاب من كلّ شيء» وذكر بقية القصة.
أقول: و من هنا تعرف سرّ ذلّ الّذي نراه من بعض أدعياء العلم، و في المقابل العزّة و الشموخ الّتي نراها سمة في وجوه بعض العلماء العاملين.
قال [1] الإمام أبو حامد الغزالي: «فإن قلت: فلقد كان علماء السلف يدخلون على السلاطين فأقول: نعم، لكن تعلم الدخول منهم، ثمّ أدخل عليهم! فقد حكي: أنّ هشام بن عبد الملك، قدم حاجا إلى مكة فلمّا دخلها قال: إئتوني برجل من الصحابة» ،فقيل: يا أمير المؤمنين! فقد تفانوا قال: من التابعين. فأتي بطاوس اليماني فلمّا دخل عليه، خلع نعليه بحاشية البساط، ولم يسلّم بإمرة المؤمنين، ولكن قال: «السلام عليك يا هشام!» ولم يكنه وجلس بإزائه وقال: «كيف أنت يا هشام!» فغضب هشام غضبا شديدا حتى همّ بقتله، وقال له: «ما حملك على ما صنعت؟!» . قال: «وما الذي صنعت؟!» فإزداد غضبا وغيظا، فقال: «خلعت نعلك بحاشية بساطي، وما قبلت يدي، ولم تسلم عليّ بإمرة المؤمنين، ولم تكنني وجلست بإزاي بغير إذن، وقلت: «كيف أنت يا هشام؟» . فقال: أمّا قولك: «خلعت نعلي، بحاشية بساطك، فأنا أخلعها بين يدي ربّ العالمين كلّ يوم خمس مرات ولا يعاقبني ولا يغضب عليّ. وأمّا قولك: «لم تقبل يدي فإنّي سمعت علي بن أبي طالب قال: «لا يحل لرجل أن يقبل يد أحد، إلاّ امرأته بشهوة أو ولده برحمة» . وأمّا قولك: لم تسلم بإمرة المؤمنين، فليس كلّ الناس راض بإمرتك، فكرهت أن أكذب. وأمّا قولك: لم تكنني فإنّ الله تعالى سمّى أولياءه وقال: يا داود، يا يحيى، يا عيسى، وكنّى أعداءه فقال: {تَبَّت يَداَ أَبي لَهَبٍ} وأمّا قولك: جلست بإزائي فإنّي سمعت علي بن أبي طالب يقول: «إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار، أنظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام» فقال هشام: عظني؟.
(1) - إحياء علوم الدّين، باب في مخالطة السلاطين.