الصفحة 22 من 72

وعن سفيان الثوري قال: «دخلت على أبي جعفر بمنى، فقال لي: إرفع حاجتك؟ فقلت له: «إتق الله! فإنّك قد ملأت الأرض جورا وظلما» . قال: فطأطأ رأسه، ثمّ رفع وقال: إرفع لنا حاجتك؟ فقلت: «إنّما أنزلت هذه المنزلة بسيوف المهاجرين والأنصار، وأبناؤهم يموتون جوعا، فإتق الله وأوصل إليهم حقوقهم» . قال: فطأطأ رأسه ثمّ رفع وقال: إرفع إلينا حاجتك؟ قلت: «حج عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال لخازنه: كم أنفقت؟ قال: بضعة عشر درهما، وأرى هاهنا أمورا لا تطيق الجمال

حملها».

فهكذا كانوا يدخلون على السلاطين إذا أكرهوا فكانوا يفرون بأرواحهم في الله أعني علماء الآخرة، فأمّا علماء الدنيا فيدخلون ليتقربوا إلى قلوبهم، فيدلونهم على الرخص، ويستنبطون بدقائق الحيل السعة فيما يوافق أغراضهم. انتهى كلام الغزالي ملخصا.

و من أجل ما آل إليه أمر من دخل على الحكام قال وهب: «هؤلاء الّذين يدخلون على الملوك، لهم أضر على الأمّة من المقامرين» .

وقال محمد بن مسلمة: «الذباب على العذرة، أحسن من قارئ على باب هؤلاء»

ولما خالط الزهري السلطان كتب له أحد العلماء: «عافانا الله وإيّاك يا أبا بكر من الفتن، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن يعرفك أن يدعو لك ويرحمك، أصبحت شيخا كبيرا وقد أثقلتك نعم الله لما فهمك من كتابه وعلمك من سنة نبيّه صلى الله عليه وسلم، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء. واعلم أنّ أيسر ما إرتكبت، وأخف ما إحتملت، أنّك أنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغي، بدنوك ممن لم يؤد حقا، ولم يترك باطلا حين أدناك، إتخذك قطبا تدور عليك رحايا ظلمهم، وجسرا يعبرون عليك إلى بلائهم وسلما يصعدون فيه إلى ضلالتهم، يدخلون بك الشك على العلماء ويغتالون بك قلوب الجهال، فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما أخربوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك من دينك فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله فيهم: {فَخَلَفَ مِن بَعدِهِم خَلفٌ أَضاعوا الصلاة وَاِتَبَعوا الشَهَواتِ} ، وإنّك تعامل من لا يجهل، ويحفظ عليك من لا يغفل، فداو دينك فقد دخله سقم، وهيئ زادك فقد حضره سفر بعيد، وما يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء والسلام» .

أقول: فماذا نقول عن علماء صار من منهجهم الدفاع عن الحكام و عن تحكيمهم شريعة الصلبان، و تعطيلهم لشريعة الرحمن، و معاونتهم لغزاة أراضي الإسلام؟! حسبنا الله و نعم الوكيل.

وأخرج أبو نعيم في «الحلية» عن أحمد بن جميل المروزي قال: قيل لعبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى أنّ إسماعيل بن علية قد ولي الصدقات فكتب إليه ابن المبارك:

يا جاعِلَ العِلمِ لَهُ بازِيًا ... - ... يَصطادُ أَموالَ المَساكينِ

اِحتَلتَ الدُنيا وَلَذّاتَها ... - ... بِحيلَةٍ تَذهَبُ بِالدينِ

فَصِرتَ مَجنونًا بِها بَعدَما ... - ... كُنتَ دَواءً لِلمَجانينِ

أَينَ رِوايَتُكَ في سَردِها ... - ... ِتَركِ أَبوابِ السَلاطينِ

أَينَ رِوايَتُكَ فيما مَضى ... - ... عَنِ اِبنِ عَونِ وَاِبنِ سيرينِ

إِن قُلت أُكرِهتُ فَذا باطِلٌ ... - ... زَلَّ عَمّارُ العِلمِ في الطين

قال: فلما قرأ الكتاب بكى وإستعفى.

أقول: فكيف بعلماء هذا الزمان الّذين دخلوا على الحكام المعطّلين لشريعة الله، الموالين لأعداء الله على أولياء الله، الجبابرة الّذين ضيّعوا شعوبهم و أقهروهم، ففي مثل هؤلاء الحكام سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية: هل يسقى شربة ماء؟ فقال: «لا، دعه يموت فإنّ ذلك إعانة له» . فكيف بمن أعان الظالم على المسلمين و المجاهدين.

وقال الجمال اللغوي في كتاب «المعجب» : أخبرني بعض الفضلاء: أنّ الأمير عز الدين حرسك بعث إلى الشيخ الشاطبي يدعوه للحضور عنده.

فأمر الشيخ بعض أصحابه أن يكتب إليه هذه الأبيات وهي قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت