-روى الزجاجي في أماليه: أنّ الحسن البصري مرّ بباب عمر بن هبيرة وعليه القراء فسلّم، ثمّ قال: «ما لكم جلوسا قد أحفيتم شواربكم وحلقتم رؤوسكم، وقصرتم أكمامكم، وفلطحتم نعالكم! أما والله! لو زهدتم فيما عندهم، لرغبوا فيما عندكم، ولكنّكم رغبتم فيما عندهم، فزهدوا فيما عندكم، فضحتم القراء فضحكم الله» .
-وقال الخطيب البغدادي: عن مالك بن أنس رحمه الله، قال: «أدركت بضعة عشر رجلا من التابعين يقولون لا تأتوهم، ولا تأمروهم، يعني السلطان» .
-و روى ابن باكويه الشيرازي في «أخبار الصوفية» عن سفيان الثوري يقول: «إنّ فجار القراء إتخذوا سلّمًا إلى الدنيا فقالوا: ندخل على الأمراء نفرج عن مكروب ونكلّم في محبوس» .
أقول: تأمّل إلى الذريعة الّتي إتّخذها هؤلاء القراء - و لفظة القراء تطلق على العلماء - للدخول على الحكام، و تأمّل وصف الإمام لهم، فما بالكم بعلماء ما دخلوا على الحكام إلاّ ليزيّنوا لهم سوء أعمالهم.
-وأخرج ابن عساكر، عن عبد الجبار بن عبد العزيز أبي حازم عن أبيه، عن جده: أنّ سليمان بن عبد الملك دخل المدينة، فأقام بها ثلاثا. فقال: «ههنا رجل ممن أدرك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ويحدثنا؟ فقيل له: بلى ههنا رجل يقال له أبو حازم. فبعث إليه، فجاءه، فقال له سليمان: يا أبا حازم! ما هذا الجفاء أتاني وجوه المدينة كلّهم ولم تأتني؟! قال أبو حازم: إنّ الناس لمّا كانوا على الصواب، كانت الأمراء تحتاج إلى العلماء، وكانت العلماء تفر بدينها من الأمراء، فلمّا رأى ذلك قوم من أذلة الناس تعلموا العلم وأتوا به إلى الأمراء فإستغنت به عن العلماء، وإجتمع القوم على المعصية فسقطوا أو تعسوا أو تنسكوا ولو كان علماؤنا هؤلاء يصونون علمهم، لم تزل الأمراء تهابهم» .
أقول: و بهذا نعلم أنّ من أسباب فساد الحكام في هذا الزمان و فساد الناس راجع أساسا إلى فساد كثير من العلماء. و الله المستعان.
-وأخرج ابن عساكر، من طريق ابن وهب، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: حدثنا أبو حازم أنّ سليمان بن هشام بن عبد الملك قدم المدينة فأرسل إلى أبي حازم فدخل عليه فقال: «فسلمت وأنا متكئ على عصاي فقيل ألا تتكلم!؟ قلت: وما أتكلم به!؟ ليست لي حاجة فأتكلم فيها، وإنّما جئت لحاجتكم التي أرسلتم إليّ فيها، وما كلّ من يرسل إليّ آتيه، ولولا الخوف من شرّكم ما جئتكم. إنّي أدركت أهل الدنيا تبعا لأهل العلم حيث كانوا، يقضي أهل العلم لأهل الدنيا حوائج دنياهم وأخراهم، ولا يستغني أهل الدنيا عن أهل العلم لنصيبهم من العلم ثمّ حال الزمان، فصار أهل العلم تبعا لأهل الدنيا حيث كانوا، فدخل البلاء على الفريقين جميعا. ترك أهل الدنيا النصيب الذي كانوا يتمسكون به من العلم حيث رأوا أهل العلم قد جاؤوهم، وضيّع أهل العلم جسيم ما قسم لهم بإتباعهم أهل الدنيا» .
أقول: آه، لو رأى زماننا و ما صنعه بعض العلماء بهذا العلم.
-وأخرج أبو نعيم، وابن عساكر، عن يوسف بن أسباط قال: أخبرنا نجم: أنّ بعض الأمراء أرسل إلى أبي حازم فأتاه، وعنده الإفريقي، والزهري وغيرهما فقال له: تكلم يا أبا حازم، فقال أبو حازم: «إنّ خير الأمراء من أحب العلماء، وأنّ شر العلماء من أحب الأمراء. وكانوا فيما مضى إذا بعث الأمراء إلى العلماء لم يأتوهم، وإذا سألوهم لم يرخصوا لهم وكان الأمراء يأتون العلماء في بيوتهم فيسألونهم، وكان في ذلك صلاح للأمراء وصلاح للعلماء. فلمّا رأى ذلك ناس من الناس، قالوا: ما لنا لا نطلب العلم حتّى نكون مثل هؤلاء! وطلبوا العلم فأتوا الأمراء فحدّثوهم فرخصوا لهم فخربت العلماء على الأمراء، وخربت الأمراء على العلماء» .