الصفحة 10 من 72

وما انحصر الإسلام إلى هذه الدركة التي تشكوها، ويشكوها أخوك والنفر القليل من العلماء الربانيين - إلاّ يوم أهان علماء الدين أنفسهم، فهانوا على الله، فهانوا على الناس، وأصبحوا صورًا مزورة عن الحقائق، وأصبح الإسلام في نفوسهم وألسنتهم وأحوالهم وأعمالهم صورًا مزورة عن حقائقها أيضًا، ويا شؤمهم على الإسلام. إنتهى

قال الفضيل بن عياض كما رواه الإمام الترمذي [1] : عالم عامل معلّم يدعى كبيرا في ملكوت السموات.

فإذا تحلّى العالم بهذه الصفات كان لزاما على الأمّة توقيره و إحترامه، قال [2] الإمام إبن القيّم: و فيه أيضا إرشاد و أمر الأمّة بطاعتهم وإحترامهم وتعزيزهم وتوقيرهم وإجلالهم فإنّهم ورثة من هذه بعض حقوقهم على الأمّة وخلفاؤهم فيهم. إنتهى

-شهادة رسول الله صلّى الله عليه و سلّم لأهل العلم بالعدالة: قال صلى الله عليه وسلّم:"يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وإنتحال المبطلين وتأويل الجاهلين" [3]

"فهذا إخبار منه صلى الله عليه وسلّم بصيانة هذا العلم وحفظه وعدالة ناقليه، وأنّ الله يوفّق له في كلّ عصر خلفا من العدول يحمونه وينفون عنه التحريف فلا يضيع" [4]

و لا يعني هذا أنّ غير العدول لا يحملونه، بل يحملونه إلاّ أنّهم لا يقومون بما هو مطلوب منهم شرعا القيام به من وظائف ربّانية الّتي هي من مقتضيات العلم، و لهذا قال عليه الصّلاة و السّلام:"ينفون عنه تحريف الغالين و إنتحال المبطلين و تأويل الجاهلين"، و هذا فيه الصّدع بالحق و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

و قد جمع الإمام الآجري أهمّ فضائل أهل العلم العاملين، فقال [5] : إنّ الله عز وجل , وتقدست أسماؤه, إختص من خلقه من أحب فهداهم للإيمان , ثمّ إختص من سائر المؤمنين من أحب فتفضّل عليهم فعلمهم الكتاب والحكمة , ووفقهم في الدّين ,وعلمهم التأويل , وفضلهم على سائر المؤمنين وذلك في كلّ زمان وأوان , رفعهم بالعلم , وزينهم بالحلم , بهم يعرف الحلال من الحرام ,والحق من الباطل , والضار من النافع , والحسن من القبيح , فضلهم عظيم ,وخطرهم جزيل ورثة الأنبياء , وقرّة عين الأولياء , الحيتان في البحر لهم تستغفر والملائكة بأجنحتها لهم تخضع والعلماء في القيامة بعد الأنبياء تشفع ,مجالستهم تفيد الحكمة , وبأعمالهم ينزجر أهل الغفلة , هم أفضل من العباد وأعلى درجة من الزهاد , حياتهم غنيمة وموتهم مصيبة , يذكرون الغافل , ويعلمون الجاهل ... فهم سراج العباد ومنار البلاد , وقوام الأمّة , وينابيع الحكمة , وهم غيظ الشيطان , بهم تحيا قلوب أهل الزيغ , مثلهم في الأرض كمثل النجوم في السماء يهتدي بها في ظلمات البر والبحر , إذا إنطمست النجوم تحيّروا وإذا أسفر عنها الظلام أبصروا اهـ.

تنبيه ضروري:

من خلال ما مرّ إتّضح أنّ العالم الّذي حضي بفضائل ربّانية هو الّذي يحمل العلم النّافع المورّث للعمل الصّالح، الصّادع بالحق الآمر بالمعروف و النّاهي عن المنكر.

(1) - نفس المصدر و نفس الكتاب و الباب.

(2) - مفتاح دار السعادة (1/ 126)

(3) - صححه الحافظ العلائي في بغية الملتمس، و روى الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث عن مهنأ بن يحي عن أحمد بن حنبل تصحيحه. أنظر تحقيق مشكاة المصابيح للشيخ الألباني (1/ 82 - رقم: 247)

(4) - مقدمة المجموع لإمام النووي

(5) - من كتابه أخلاق العلماء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت