الصفحة 9 من 72

-أهل العلم هم أهل خشيته: قال تعالى: {إنّما يخشى الله من عباده العلماء [1] } ، فالخشية هي الخوف المبني على العلم بعظمة من يخشاه وكمال سلطانه وهذا لا يبلغه إلاّ من سلك درب العلم النافع، فالله عز وجلّ بيّن أنّ العلماء هم الّذين يخشونه على الحقيقة والكمال، وإن كانت الخشية موجودة من المؤمنين عموما ومن بعض الآخرين، ولكن خشية الله على الكمال والحقيقة للعلماء بعد الأنبياء و الرسل عليهم الصّلاة و السّلام.

قال [2] ... الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: أي إنّما يخشاه حقّ خشيته العلماء العارفون لأنّه كلّما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال، المنعوت بالأسماء الحسنى كلّما كانت المعرفة به أتمّ، والعلم به أكمل كانت الخشية أعظم وأكثر. إنتهى

فحقيقة العلم ما وقع في القلب ثمّ ظهر على اللسان فأفاد العمل و أورث الخشية و التّقوى.

أمّا ما ورد في السنّة منها:

-العلماء ورثة الأنبياء: قوله صلى الله عليه وسلّم { ... وأنّ العلماء ورثة الأنبياء ... } .

روى الترمذي في جامعه [3] ، عن قيس بن كثير قال: قدم رجل من المدينة على أبي درداء و هو بدمشق،

فقال: ما أقدمك يا أخي؟. قال: حديث بلغني أنّك تحدثه عن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم. قال: أما جئت لحاجة؟. قال: لا. قال: أما قدمت لتجارة؟. قال: لا. قال: ما جئت إلاّ في طلب هذا الحديث.

قال: فإنّي سمعت رسول الله عليه الصّلاة و السّلام يقول:"من سلك طريقا يبتغي فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنّة، و إنّ الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، و إنّ العالم ليستغفر له من في السموات و من في الأرض حتّى الحيتان في الماء، و فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إنّ العلماء ورثة الأنبياء، إنّ الأنبياء لم يورِّثوا دينارا و لا درهما، إنّما ورَّثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظّ وافر".

فالعلماء الّذين هم ورثة الأنبياء هم الّذين ورثوا من الأنبياء العلم النافع و العمل الصّالح و الحرص على الدّعوة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الجهاد في سبيل الله، و الصبر على الأذى رغبة في رضوان الله تعالى، هكذا كان حال الأنبياء عليهم الصّلاة و السّلام.

قال [4] العلامة محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله تعالى في رسالته إلى العلامة أبو الأعلى المودودي بعد خروجه من السجن: وصلتني رسالتكم الكريمة تهب بنفحات من تلك النفس الزكيَّة التي صفت كما يصفو الذهب على السبك، وابتلاها الله بأقسى ما يبتلي به عباده المؤمنين، فصبرت، وحققت أنَّ صاحبها ممن وصفهم القرآن بأنهم أحسن عملًا، ومحصها بأصناف من التمحيص فخلصت متلألئة مشرقة سامية عن المعاني الترابية التي ارتكس فيها كثير من هذا الصنف العلمي و وا أسفاه.

الإسلام - أيها الأخ الجليل - في حاجة اليوم إلى ذلك الطراز السامي الذي قام عليه عموده في الأرض يوم نزل فيها على قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - محتاج إلى تلك الأمثلة العالية من الصبر على الحق والموت في سبيله، ولقاء المنايا كالحات في ميدان نصرته، وإعزاز قبيله، وتمهيد سبيله، وقطع البراري والبحار لنشره، وغرسه، وتثبيت عقائده في النفوس، وقواعد ملكه في الأرض.

(1) - سورة فاطر (الآية: 28)

(2) - تقسير القرآن العظيم للإمام إبن كثير على هذه الآية.

(3) - كتاب العلم، باب: في فضل العلم على العبادة (رقم: 2159، صحيح سنن الترمذي)

(4) - رسالة بعثها الإمام يوم (28 يوليو 1955) جوابا على رسالة العلاّمة أبو الأعلى المودودي بعثها إلى الإمام بعد خروجه من السجن. آثار العلامة محمد البشير الإبراهيمي (5/ 161 - 162)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت