الصفحة 58 من 61

ولذلك فإنك تجد فرقًا واضحًا بينًّا بين سبيل الموحدين وطريقة تعاملهم مع الكفار والمشركين، وبين سبيل غيرهم ممن لا يرفعون بهذا الأمر رأسًا ويهملونه، بل ينكرونه على أهل التوحيد ويبدعونهم به، بل منهم يكفّر أهل التوحيد لتجريدهم التوحيد ولبراءتهم من الشرك والتنديد، ولذلك اختلط الحابل بالنابل عندهم، فبرءوا من الموحدين وأبغضوهم وعادوهم وأطالوا ألسنتهم بالطعن فيهم وفي دعوتهم، بينما لا يجد منهم أعداء الله إلاّ كل مودّة وإدهان.

ومنهم من يشاركهم في مجالسهم ومهالكهم، ولا يفرِّقون بين مصلحة التوحيد العظمى التي تُفرِّق بين المسلمين والمشركين، وبين الوحدة الوطنية التي تؤالف وتجمع الكافرين على اختلاف توجّهاتهم وتخلط المتّقين بالفجّار ... ويغفلون أو يتغافلون عن وصف الملائكة للنبي صلى الله عليه وسلّم: (ومحمد فرْق بين الناس) [رواه البخاري] ، وفي رواية: (فرَّق بين الناس) .

ويُعرضون عن هدي الفرقان الذي فرّق بين أهل الشرك وأهل الإيمان، وإن كانوا أقرب نسبًا للإنسان.

ومن الفوائد أيضًا؛ أنّ معرفة ذلك تحدِّد طريق الدعوة الصحيحة التي يجب أن يسلكها المرء مع القوم الذين هو بين ظهرانيهم ... فإنّ كونهم مسلمين يختلف عن كونهم مشركين، وكونهم مشركين وثنيِّين يختلف عن كونهم مشركين كتابيِّين، وكونهم مرتدِّين يختلف عن كونهم كافرين أصليِّين.

ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم لمعاذ لمّا بعثه إلى اليمن - كما في الحديث المروي في الصحيحين: (إنّك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة"أن لا إله إلاّ الله"- وفي رواية؛"إلى أن يوحِّدوا الله"- فإن هم أجابوك إلى ذلك، فأعلمهم أنّ الله قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة ... الحديث) .

فتأمل كيف عرّفه بحالهم وحكمهم, ثم رتب على ذلك طريقة الدعوة والتعامل معهم.

وغير ذلك من الفوائد التي ليس هذا مقام حصرها.

وختامًا؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت