الصفحة 54 من 61

وآخرون رقّعوا واقعهم المنحرف بحجة المصلحة فزعموا أنّهم يخدمون الدين بوظائفهم هذه المنتنة، وواقع حال أكثرهم خدمة جيوبهم وكروشهم وقروشهم ليس إلاّ.

ورحم الله سفيان الثوري يوم قال وهو يوصي بعض أصحابه ويحذرهم من مداهنة السلاطين والدخول عليهم، مع أنّ سلاطينهم كانوا يحكِّمون شرع الله إلاّ أنّهم أظهروا بعض المعاصي، فكيف بسلاطين الكفر والشرك اليوم؟

قال رحمه الله: (إياك والأمراء أن تدنوا منهم أو تخالطهم في شيء من الأشياء، وإياك أن تخدع ويقال لك؛ لتشفع أو تدرأ عن مظلوم أو ترد مظلمة، فإنّ ذلك خديعة إبليس اتّخذها فجّار القرّاء سلّمًا ... ) .

أجل إنّها خديعة إبليس التي يسمّونها اليوم بمصلحة الدعوة، يهدمون بها التوحيد أعظم مصلحة في الوجود ويلبسون الحق بالباطل ... وقد صدق سيد قطب يوم وصفها بأنها أمست عند كثير من الدعاة مزلّة وصارت صنمًا يعبدونه من دون الله.

ولشيخ الإسلام رحمه الله تعالى في ذلك فتوى سُئل فيها عن رجل من أهل السنّة سمع بمجموعة من قطّاع الطرق الذين يجتمعون على قصد الكبائر وقطع الطريق والقتل وفعل الفواحش والمنكرات، وأنّه قصد إلى هدايتهم فلم يتمكّن من ذلك بزعمه، إلا بأن عمل لهم سماعًا بدف بغناء مغني غير فاحش حتى اهتدى منهم خلق، وصار الذين كانوا لا يتورّعون عن الكبائر يتورّعون عن الصغائر والشبهات، فهل طريقة هذا الشيخ جائزة ومشروعة؟!

فبيّن رحمه الله تعالى ما ملخصه؛"أنّ هذه الطريقة مبتدعة وأنّ في طريقة الرسول الرحمانية غنىً عن الطرق الشيطانية".

فإنّه حتى وإن كانت النتيجة ظاهرها حسن فإنّ الغاية عند أهل الإسلام لا تبرر الوسيلة، فالنجاسة لا تزال بالنجاسة، ولا يتطهّر من البول بالبول.

وكما أنّ غاية الداعية عظيمة ومطهّرة فيجب أن تكون وسائله للبلوغ إلى هذه الغاية كذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت