الصفحة 53 من 61

تأمل جواب الملائكة لهم وحذار من هذا الموقف وأصحابه: {قَالْوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} ، ألم تكن أبواب الرزق واسعة فتهجروا ذلك الصف الشركي إلى غيره؟ ومَنْ يرزق النمل والنحل والطير وسائر الدواب والمشركين والكفار، هل تراه يعجز عن أن يرزق المتقين والأبرار الذين يتطهّرون من صف الشرك ويفارقونه محبّة ونصرة للتوحيد وأهله؟ تعالى الله علواًّ كبيرًا عما يصفون.

وتأمل تهديد الله ووعيده لهم بقوله: {فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} ، مع أنّهم لم يخرجوا في ذلك الجيش متطوعين ولا مختارين، لكنهم قصّروا في الهجرة في بادئ الأمر، فلمّا عزم الأمر تورّطوا في الخروج في صف أعداء الموحدين.

ثم قال تعالى: {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} ، فلم يعذر الله سبحانه وتعالى بعذر الاستضعاف إلا من لا يستطيع حيلة في الخروج والفرار إلى الله من صف الكفار، كأن يكون جريحًا أو عاجزًا أو مقيدًا أو مأسورًا أو لا يهتدي طريقة وسبيل الهجرة الفرار إلى الصف المسلم، كأن يكون امرأة أو صبيًا أو شيخًا أو ضعيفًا.

ثم رغّب الله تعالى بالهجرة والفرار من هذه الصفوف المشركة ووعد أهلها بالرزق الوفير الواسع فمن ترك شيئًا لله عوّضه الله خيرًا منه, وذلك ليقطع كل حجج القوم الواهية، فقال: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرض مراغمًا كثيرًا وسعة} ، كما قال في مقام آخر من مقامات دعوته عباده المؤمنين الى البراءة من الشرك وأهله: {و إن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت