الصفحة 45 من 61

وفي قصة زيد بن عمرو بن نُفيل عبرة؛ فقد حقّق التوحيد دون أن يبعث رسول خاص بزمانه وذلك قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلّم مباشرة، فقد كان من القوم الذين قال الله تعالى فيهم: {لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ} ، ومع ذلك فقد كان زيد حنيفًا على ملّة سيدنا إبراهيم اهتدى إلى التوحيد بفطرته، فكان يبرأ من طواغيت قومه ويجتنب عبادتها ونصرتها، وكان ذلك كافيًا لنجاته، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يبعث أمة وحده، ورآه صلى الله عليه وسلم، وقد قُدِّمت له سُفرة"مذبوحة على نصبهم"فأبى أن يأكلها وقال: (إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم) ، وكان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول: (الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض ثم أنتم تذبحونها على غير اسم الله، إنكارًا لذلك وإعظامًا له) [رواه البخاري] .

فتأمّل كيف أنّ التوحيد مزروع في الفطرة، وأنّ الشرك هو الطارئ الذي اخترعه الناس وانحرفوا إليه ... فهذا رجل لم يأته نبي خاص بزمانه، ومع هذا عرف التوحيد وحقّقه فنجا، وعُذر بتفاصيل الشريعة والعبادات التي لا تُعرف إلاّ عن طريق الحجّة الرسالية، فقد كان يقول - كما في رواية ابن إسحاق: (اللهم لو أعلم أحب الوجوه إليك لعبدتك به، ولكني لا أعلمه، ثم يسجد على الأرض براحته) ... فعُذر بترك الصلاة والصيام ونحوه من الشرائع التي لا تُعرف إلاّ عن طريق الرسل.

بينما لم يُعذر أهل زمانه - ومنهم والديّ النبي صلى الله عليه وسلّم - لأنّهم لم يحقِّقوا التوحيد ويبرأوا من الشرك والكفر والتنديد، مع أنّهم لم يأتهم نذير كما أخبر تعالى.

فتدبّر هذا المعنى جيدًا واعلم أنّ هذا الباب - باب العذر بالجهل - قد تكلّم فيه العلماء، وخاض فيه المتأخرون، ولا يفهمه حق الفهم إلاّ من أحاط به من جوانبه، أمّا من أخذ منه بنص واحد وبنى عليه المسائل الكبار فقد جانب الصواب وأبعد النجعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت