واعلم بعد هذا كله؛ أنّ كفر هؤلاء الطواغيت وأنصارهم اليوم ليس هو من الجهل بمعنى عدم بلوغ الحجّة الرسالية، فقد بُعِث خاتم الرسل وليس بعده ثَم رسول, وكتاب الله الذي عُلِّقت به النذارة محفوظ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو بين أيديهم، ولكن أكثر الناس استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فهم معرضون عن طلب الحق وعن اتباعه، فكفرهم كفر إعراض، وليس بسبب عدم بلوغ الحجّة الرسالية.
ثم اعلم أن الذين {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ} كانوا يجهلون أنّ الطاعة في التشريع عبادة وشرك، كما في حديث عُدي بن حاتم الصحيح بمجموع طرقه وفيه قوله: (ما عبدوهم!) ، فما كانوا يعرفون أن الطاعة في التحليل والتحريم والتشريع عبادة، ومع هذا كفروا بصرف ذلك لغير الله وصاروا به متخذين أربابًا من دون الله، ولم يُعذروا بهذا الجهل ... لأنّ الأمر منافٍ للفطرة التي فطر الله الناس عليها, فالذي خلق ورزق وصوّر وبرأ هو الذي لا يجوز أن يشرِّع ويأمر ويحكم أحد سواه، وقد بعث الله كافة رسله وأنزل جميع كتبه لأجل توحيد الله بالعبادة وإفراده بالحكم والتشريع واجتناب عبادة من سواه.