الصفحة 44 من 61

ومع هذا يأتي بعض من لا يعرفون من الدين إلاّ الاسم ولا من معالمه إلاّ الرسم؛ يطالبون بإقامة الحجة في باب الشرك الواضح المستبين والتوحيد الذي هو أحق حقوق الله على العبيد، والذي بُعِث من أجله جميع الرسل وأُنزلت له كافة الكتب وتواترت عليه الحجج.

وربما أقاموا على ذلك شبهًا بآيات يضعونها في غير موضعها، كقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} ، يريدون؛ أنّه لا تكفير إلاّ بعد إقامة الحجّة في كل باب حتى في الشرك الأكبر الواضح المستبين ... وليس في هذه الآية وجه دلالة على قولهم الفاسد هذا، فالله جلّ ذكره لم يقل؛"وما كنّا مكفرين حتى نبعث رسولًا"! وإنّما قال {معذِّبين} ، والمقصود بذلك عذاب الإستئصال الدنيوي، وهي كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} ، أو العذاب الأخروي كما قال تعالى: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى} .

أمّا التكفير؛ خصوصًا في الشرك الأكبر وعبادة غير الله، فليس هو المراد بذلك، إذ الكافر إمّا أن يكون كافرًا معاندًا كالمغضوب عليهم؛ عرفوا الحق وكفروا به، أو يكون كافرا جاهلًا معرضًا أو مضلّلًا، كالضالِّين؛ الذي لبّس عليهم علماؤهم.

وليس كل كافر يكون كفره عن علم وجحود للحق، بل أكثر الكفار جُهّال ضلاّل، وإنما أوردهم النار كفرهم بتقليد ساداتهم وكبرائهم وآبائهم، ويحسبون أنّهم يُحسنون صنعًا.

وباب الشرك الأكبر الصريح؛ قد أقام الله عليه حججه البالغة، فلا يُعذر الجاهل فيه، لأنّ جهله والحالة كذلك إنما يكون إعراضًا عن الدين وعن تعلم أهم ما خلق من أجله، وليس جهل من لم تقم عليه الحجّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت