الصفحة 43 من 61

ومعلوم من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أن شأنه في دعوة الطوائف الممتنعة؛ أنه كان يراسل رؤوس تلك الطوائف دون آحاد رعيتهم، ولم يكن يشترط أو يأمر رسله وأمراءه بوجوب تتبع آحاد الناس لإقامة الحجة عليهم - خصوصًا في المحاربين - وأن الحال عند العلماء بعد انتشار الإسلام وفشُوِّه في أرجاء المعمورة ليس كالحال في فجر الدعوة وأول الإسلام أو مع حديث العهد بالإسلام.

وهؤلاء الطواغيت وأنصارهم من عساكر القانون يقتفون آثار من قبلهم من المشركين في الإعراض عن القرآن المتضمن للتوحيد وإهماله، وينفرون من سماع الحق كنفور وفرار الحمر الوحشية من الأسد، فهم مشركون جهال بجهل اكتسبوه بإعراضهم عن التذكرة المحفوظة، والحجة القائمة بين أيديهم ... لا لجهل سببه عدم بلوغ الرسالة، أو لجهل سببه العته أو الجنون أو الصغر ... أو نحو ذلك من موانع الأهلية، أضف إلى ذلك أنهم محاربون ممتنعون عن شرائع الإسلام بشوكة، ومعلوم أن المحارب لا تجب إقامة الحجة عليه، ولذلك فرق العلماء في هذا الباب بين من كان قتاله قتال دفع، وبين من كان قتاله قتال طلب.

ثم يأتي أولئك المجادلون عن هؤلاء المحاربين لدين الله وأوليائه ليرقِّعوا باطلهم, فيزعمون أنّ الحجّة غير مقامة عليهم, ولازم هذا - مع مافيه من جهل - مناقض ومعارض لقوله تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} ، وقد علمتَ أنها مقامة في أصل التوحيد من وجوه وأبواب شتى.

ولذلك فقد قال النبي صلى الله عليه وسلّم لرجل سأله عن أبيه: (إن أبي وأباك في النار) [رواه مسلم] ، مع أنّهم من القوم الذين قال الله فيهم: {لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} ، وما ذلك إلاّ لأنّ أصل التوحيد والتحذير من الشرك الأكبر وعبادة غير الله تعالى؛ قد أقام الله عليها الحجة البالغة - كما تقدّم - من أبواب شتى وأرسل بها الرسل أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت