وهو الشرط الذي فرض على الصحابة في مكة قبل فرض الصلاة وغيرها، ومعلوم أن الصحابة ما عُذِّبوا في مكّة ولا ابتُلوا وهاجروا وأوذوا إلا من أجله، إذ لم يعذبهم قومهم ولا آذوهم لأجل الصلاة أو الزكاة أو غيرها من الطاعات والشرائع، التي لم تكن قد فرضت ولا طولبوا بها بعد، وإنما طولبوا أول ما طولبوا بتحقيق ذلك الأمر العظيم، لأن تلك العبادات لا تقبل بدونه، ولذلك لم يكن من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ولا من طريقة دعوته هو وأصحابه أن يبدأوا في دعوة المشركين بالصلاة أو بالزكاة أو نحوها من الشرائع قبل دعوتهم لتحقيق التوحيد واجتناب عبادة الطواغيت، لا والله ما كانت هذه دعوتهم أبدًا.
وتأمل حديث معاذ بن جبل في الصحيحين حين بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وعلّمه أسلوب الدعوة وطريقتها قال: (فليكن أول ما تدعوهم إليه؛ شهادة"أن لا إله إلا الله"- وفي رواية:"إلى أن يوحدوا الله"- فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعْلِمهم أنّ الله قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أنّ الله قد أوجب عليهم في أموالهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردّ إلى فقرائهم ... الحديث) .
فدعوة الإنسان إلى الإسلام ابتداءً لا تكون من الصلاة بل من التوحيد، ثم يؤمر إن حقق التوحيد بالصلاة والزكاة وسائر الأركان.