فبِردّ هذا الحديث وفهمه على ضوء النصوص المحكمة كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} ، تعرف أنّ السجلاّت التسعة والتسعين هي قطعًا ذنوب غير مكفِّرة أو ذنوب دون الشرك لأن الشرك الذي يناقض هذه البطاقة لا يغفره الله أبدًا كما في الآية وصاحبه لا يدخل الجنة إن مات عليه, ولو أنّ في هذه السجلات ناقض من النواقض لما طاشت به البطاقة ولما نجا صاحبها لأنها ساعتئذٍ لا تكون بطاقة التوحيد الصحيح بل بطاقة كلمة ودعوى منقوضة تقال باللسان دون قصد معناها أو تحقيق لوازمها.
فلو أنّ في هذه السجلات عبادة غير الله أو التشريع مع الله أو نُصرة المشرِّعين وتولِّيهم أو سبّ الدين أو حرب أوليائه لَمَا رجحت أو نفعت أو دخل صاحبها الجنّة إذ هذه كلها موانع وقواطع تقطع وتمنع الفوز والنجاة، لكن السجلات ذنوب دون الشرك.
وفي الحديث بيان أهمية وعظم كلمة التوحيد وبيان أنّ من حقّقها فأتى بها كما يحبّ ربُّنا ويرضى فإن التوحيد بعظمته يغمر جميع الذنوب والخطايا التي هي دون الشرك ويدمغها، ويبين ذلك ويوضحه أيضًا الحديث القدسي: (يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا أتيتك بقرابها مغفرة) [رواه الترمذي] .
وكذلك حديث حذيفة المذكور؛ (يُسرى على كتاب الله في ليلة فلا تبقى منه في الأرض آية) ، فهو إن صحّ يُحمل على أنّ هؤلاء الناس الذين لا يعرفون من الشرائع إلا هذه الكلمة محققين لمعناها غير مشركين بالله لأنّ الله لا يغفر أن يشرَك به.
أمّا تركهم الصلاة والصدقة والنُّسك؛ فإن كانوا موحِّدين فإنهم يعذرون بذلك لأنّ هذه الشرائع لا تُعرف إلا بالحجة الرسالية ... وقد ذكر الحديث أن كتاب الله يُرفع في زمنهم فلا تبقى منه في الأرض آية.