الصفحة 17 من 61

ولذلك فإن السلف كانوا إذا وردت الآية وأراد المستدل بها المعنى الأول - الجور - أوّلوها وحملوها على الكفر الأصغر، وإن استدل بها على المعنى الثاني - التبديل والتشريع - أبقوها على ظاهرها أي الكفر البواح الحقيقي ... مع أن الأصل في الآيات؛ أنها تتناول الكفر الأكبر البواح الذي مارسه اليهود حين اتّفقوا واجتمعوا وتواطئوا على أحكام غير أحكام الله. ولذلك قال البراء بن عازب رضي الله عنه - كما في صحيح مسلم - بعد أن ذكر قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ، و {الظّالمون} ، و {الفاسقون} قال: (في الكفار كلها) .

فلو أن الخوارج أوردوها في موضعها على من شرّع أو وقع في ما وقع به اليهود؛ لما أنكر عليهم السلف ولأبقوا الكفر فيها على حقيقته ولما أوّلوها [4] ... لكنّ ذلك لم يكن موجودًا في ذلك الزمان حتى يخوضوا فيه, ولو كان موجودًا لما أوردوا عليه مثل هذه الآية الظنية الدلالة التي تحمل المعنيين، بل لأوردوا نصوصًا قطعية الدلالة لا تحتمل إلا المعنى التشريعي التبديلي، كقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ} ، وقوله تعالى: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} ، وقوله تعالى: {أَفَحُكمَ الجَّاهِلِيًّةِ يَبْغُونَ} ، وقوله {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت