الصفحة 16 من 61

ومن أمثلة ذلك؛ قصة الحَكَمين التي جرت في التحكيم بين جيش علي ومعاوية وما جرى فيها حيث ثار الخوارج، وقالوا؛ (حكّمتم الرجال) ، واحتجّوا بعموم قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ، وزعموا أن كل من عصى الله فقد حكم بغير ما أنزل الله، وكفّروا الحكمين ومن رضي بحكمهما وكفّروا معاوية وعلي رضي الله عنهما، وكان ذلك أول مخرجهم، ولذلك سميت أول فرقهم بـ"المحكّمة"، فناظرهم الصحابة ومن أكثر من ناظرهم ابن عباس، وحاجّهم بأن ذلك من الصلح بين المسلمين وليس من الحكم بغير ما أنزل الله بمعناه الكفري، واستدل بقوله تعالى في الخصومة بين الزوجين؛ {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا} ، وأنه إن جاز تحكيم الرجال في الصلح بين الزوجين، فمن باب أولى أنه يجوز لحقن دماء أمة محمد صلى الله عليه وسلّم، وناظرهم بغير ذلك من الأدلة، كما هو مبسوط في كتب التاريخ والفِرق، وبيّن لهم أن هذا الباب وإن حصلت فيه أخطاء أو تجاوزات فهو ليس من الكفر الذي يذهبون إليه، وعلى هذا يُحمل ما ينسب إليه من قول"كفر دون كفر"، فرجع منهم خلق، وأصر آخرون فقاتلهم علي والصحابة، وحصل معهم ما هو معلوم في كتب التاريخ.

فهل ما القوم فيه اليوم من التشريع مع الله واستبدال أحكام الله وابتغاء غير الله حكمًا ومشرعًا وغير الإسلام دينًا ومنهجًا ... هل هذا كله يا أولي الألباب من ذلك الباب الذي جرى بين الصحابة وأنكره الخوارج وجرت فيه المناظرة حتى يصلح تنزيل ما قيل في ذلك الزمان عليه؟

وعلى كل حال فقوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} عام يشمل الحكم بمعنى الجور - كفر دون كفر - والحكم بمعنى التشريع - كفر بواح -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت