كانوا يعرفون علامات سروره وحزنه - صلى الله عليه وسلم - بقسمات وجهه، فضاقت عليهم الدنيا لأجل تأثر حبيبهم - صلى الله عليه وسلم -، وحق لهم ذلك.
وحينذاك قال عليه الصلاة والسلام: «إن رأيتم أن تطلقوا أسيرها، وتردوا عليها الذي لها» ، يعني قلادتها التي أرسلت بها.
وكأنه علم أن ابنته ما كانت لتفرط في قلادتها تلك لولا اضطرارها، يقول ذلك عليه الصلاة والسلام في أسلوب العرض، لمكان بنته، مع أنه إمام الأمة وقائدها ولن يؤخر المسلمون له أمرا أو طلبا، لكنه يجعل كلامه بذلك الأسلوب، أسلوب العرض، فما أعظم أخلاقه وسجاياه، بأبي وأمي هو - صلى الله عليه وسلم -.
وأمام هذا المشهد المؤثر يبادر صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهم السباقون لطاعته، ويقولون: نعم يا رسول الله، فأطلقوا أبا العاص، وردوا إلى زينب متاعها.
وهكذا تظهر لنا صفحة من صفحات حياة النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - في وفائه لزوجه خديجة، نعم إنه يتأثر بسبب أثر من آثارها ذكره أياما خلت وذكريات سبقت، كيف لا، وهو يتأثر ويبش إذا سمع صوتا يشبه صوتها، ففي"الصحيحين" [1] عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: استأذنت هالة بنت خويلد، أخت خديجة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعرف استئذان خديجة فارتاح لذلك [أي تذكر صفة استئذان خديجة لشبه صوتها بصوت خديجة، فهش لمجيئها وسر بها، لتذكره بها خديجة وأيامها] ، فقال: ـ أي لما سمع صوتها ـ: «اللهم هالة بنت خويلد» .
(1) أخرجه البخاري (رقم 3821) ، ومسلم (رقم 2437) .