الصفحة 8 من 37

وفي هذا كله دليل لحسن العهد وحفظ الود، ورعاية حرمة الصاحب والعشير في حياته وبعد وفاته، وإكرام أهل ذلك الصاحب.

وعودا على زينب وزوجها أبي العاص ـ رضي الله عنهما، فإنه لما أطلق أخذ عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - العهد والميثاق أن يخلي سبيل زينب إذا عاد إلى مكة، وكانت ـ رضي الله عنها ـ من المستضعفين من النساء، واستكتمه النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، وبعث زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار، فقال: «كونا ببطن ياجج ـ وهو مكان قريب من مكة ـ حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتياني بها» [1] وذلك بعد بدر بشهر.

فلما قدم أبو العاص مكة أمر زينب أن تلحق بأبيها، فتجهزت، وخرج معها كنانة بن الربيع، أخو أبي العاص، ومعه قوسه وسهامه، فخرج بها نهارا، فاعترضه رجال من قريش، ونخسها هَبَّار بن الأسود وعمرو بن ود، فنثر كنانة أسهمه، وقال: والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما، وتراجعوا عنه.

ثم جاء أبو سفيان وفاوضه، وقال: إنك لم تصب، خرجت بالمرأة على رؤوس الناس علانية، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا وما دخل علينا من محمد، فيظن الناس إذا خرجت بابنته علانية إليه أن ذلك على ذل أصابنا، وأن ذلك منا وَهَنٌ وضعف، ولعمري ما بنا بحبسها عن أبيها من حاجة، ولكن ارجع بالمرأة، حتى إذا هدأت الأصوات، وتحدث الناس أنا رددناها، فسلها سرا وألحقها بأبيها، ففعل ثم خرج بها ليلا، بعد ليال، وسلمها إلى زيد وصاحبه، فقدما بها على النبي - صلى الله عليه وسلم -،

(1) أخرجه البيهقي في"الدلائل" (3/ 154، 155) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت