الصفحة 25 من 37

ليس لأجل النجاسة، ولكن لأجل جبر ما يحصل للغاسل من الضعف بسبب مشاهدة الميت وذكر الموت وما بعده [1] .

ولأن الغاسل إذا علم أنه سيغتسل لم يتحفظ من شيء يصيبه من أثر الغسل فيبالغ في تنظيف الميت وهو مطمئن [2] .

وها هنا تنبيه إلى أن من تولى تغسيل المسلمين من الرجال والنساء أن الواجب عليهم أن يستر ما يراه مما ليس بحسن في حق الميت من الناحية الجسدية أو المعنوية، ولذا نص أهل العلم في مؤلفاتهم على ذلك، كقولهم:"وعلى الغاسل ستر ما رآه، إن لم يكن حسنا".

وقيد ذلك عند بعض أهل العلم، كقول صاحب"الإنصاف" [3] فيما نقله عن بعض العلماء: إن كان الميت معروفا ببدعة أو قلة دين أو فجور ونحوه فلا بأس بإظهار الشر عنه، لأجل أن تجتنب طريقته"."

وقد عُنِيَ الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ في"صحيحه"بروايات هذا الحديث، وأنشأ عليه أبوابا من العلم، حيث بوب عليه بمختلف رواياته ومتَّحدها أحد عشر بابا، ففي كتاب الوضوء قال: باب التيمن في الوضوء والغسل.

وفي كتاب الجنائز قال: باب غسل الميت ووضوءه بالماء والسدر، وقال: باب ما يستحب أن يغسل وترا، وقال: باب يبدأ بميامن الميت. وقال: باب مواضع الوضوء من الميت، يعني أنه يستحب البداءة بها، وقال: هل تكفن المرأة في إزار الرجل، وشاهده تكفين زينب بإزاره - صلى الله عليه وسلم -، فكأن البخاري يشير إلى التردد في ذلك هل هو خاص به - صلى الله عليه وسلم -، ولو جاز فهل هو عام أم خاص بالمحارم، وبمن يتحقق نظافته، وعدم نفرة الزوج وغيرته أن تلبس زوجته لباس غيره.

وبوب البخاري أيضا فقال: باب يجعل الكافور في الأخيرة، وبوب ـ رحمه الله ـ باب نقض شعر المرأة، أي الميتة قبل الغسل، وهكذا من له شعر كثيف من الرجال، وذلك لأجل أن يبلغ الماء البشرة ويتحقق التنظيف، وبوب ـ رحمه الله ـ: باب يجعل شعر المرأة ثلاثة قرون، وقال: باب يلقى شعر المرأة خلفها.

وقال ابن عبد البر ـ رحمه الله ـ: في هذا الحديث ما يدل على أن النساء أولى بغسل المرأة من الزوج، لأن بنات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللواتي توفين في حياته: زينب ورقية وأم كلثوم، لم يبلغنا أن إحداهن غسلها زوجها، وأجمع العلماء على جواز غسل المرأة زوجها، وغسلت أسماء بنت عُميس زوجها أبا بكر بمحضر جُلَّة من الصحابة، وكذلك غسلت أبا موسى امرأته". اهـ [4] ."

وفي"صحيح البخاري" [5] و"المسند" [6] للإمام أحمد واللفظ له عن أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: رجع إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم من جنازة بالبقيع، وأنا أجد صداعا في رأسي، وأنا أقول:

(1) انظر:"حاشية فتح الباري" (3/ 135) .

(2) انظر:"فتح الباري" (3/ 135) .

(4) "فتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر" (6/ 411) .

(5) (رقم 5666) ، وأخرجه مسلم مختصرا (رقم 2387) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت