الصفحة 24 من 37

الثاني هو الأرجح، كما جاء مصرحا به في رواية لمسلم - رحمه الله.

وقد ذكر بعض أهل السير أن وفاة زينب ـ رضي الله عنها ـ كانت بسبب تأثرها من النزف الذي أصابها جراء إسقاطها حملها لما أرادت الهجرة من مكة إلى المدينة حيث أبوها - صلى الله عليه وسلم -.

فإنها لما أرادت الهجرة بعد أن أرسلها زوجها أبو العاص قبل إسلامه اعترضها نفر من قريش، منهم هبار بن الأسود، ونافع بن عبد عمرو، اللذان روعاها بالرماح، ونخساها بها وهي في هوجها، وكانت حاملا، فنزفت دما، وفي طريق عودتها إلى مكة بعد أن منعت من الهجرة أسقطت حملها، ولم تزل متأثرة بذلك، حتى توفيت بالمدينة ـ رضي الله عنها [1] ـ.

* وفي هذا الموقف ما يدل على عظيم رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم - وشفقته على بناته الكريمات، فإنه قد اهتم لموت زينب ـ رضي الله عنها ـ ووقف مع الغاسلات ووجههن إلى كيفية التغسيل، ولما انتهين من غسلها أعطاهن إزاره ليلففنها فيه، ويكون مباشرا لجسدها وهذا هو معنى قوله: «أشعرنها فيه» فالشعار هو الذي يلي الجسد.

وإنما فعل ذلك عليه الصلاة والسلام لأجل أن تنالها بركته - صلى الله عليه وسلم -،"لأن الله تعالى خص نبيه - صلى الله عليه وسلم - بما جعل في جسده وما مسه من البركة."

* وها هنا تنبيه إلى أن غير النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقاس عليه في التبرك فيه ولو كان من الصالحين، وذلك لأن الصحابة لم يفعلوا مثل تلك الأعمال مع غير النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، ولأن فعل مثل ذلك مع غيره - صلى الله عليه وسلم - من وسائل الشرك فوجب منعه، نبه لهذا سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ في تعليقه على"فتح الباري" [2] .

وها هو عليه الصلاة والسلام ـ بأبي هو وأمي ـ يشهد دفن بنته الثانية أم كلثوم، ويظهر عليه الحزن والهم الشديد، كما في"صحيح البخاري" [3] عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: شهدنا بنتا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - [يعني عند دفنها] قال: ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس على القبر، قال: فرأيت عينيه تدمعان .... الحديث.

وفي هذا وأمثاله ما يبين مشروعية الاهتمام والعناية والرعاية للأولاد، وخصوصا البنات لرقة عاطفتهن وكون مشاعرهن مرهفة وحساسة ولما في تكوينهن من الضعف والمسكنة.

ومن مسائل هذا الحديث ما نبه إليه الحافظ أبو عمر بن عبد البر ـ رحمه الله ـ حيث قال: تطهير الميت عبادة، لا إزالة نجاسة، وإنما هو كالجنب، وغسله كغسل الجنب سواء. اهـ [4] .

قلت: ويؤيده ما صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «المؤمن لا ينجس» [5] .

وهكذا ما جاء من أمر المغسل للميت أو المغسلة بالاغتسال،

(1) انظر:"مجمع الزوائد" (9/ 212) ، و"سير أعلام النبلاء" (2/ 247) .

(3) (رقم 1285) .

(4) "فتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر" (6/ 407) .

(5) أخرجه البخاري (رقم 285) ، ومسلم (رقم 371) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت