إلى غير ذلك من المواقف الدالة على ما أشرت إليه آنفا من رقته - صلى الله عليه وسلم - وكمال رحمته وشفقته.
ومن الفوائد: أنه لا حرج في البكاء على الميت، ولكن بدون صراخ ولا عويل وندب وغير ذلك من مظاهر الجزع والتسخط كشق الثياب وحلق الشعر، بل من لازم الرحمة أن تدمع العين، ويحزن القلب، كما وقع له - صلى الله عليه وسلم -.
ولما كانت المصائب أمرا لا انفكاك عنه، بل هي صفة هذه الحياة الدنيا الملازمة لها، فقد وعد الله عباده الصابرين بالجزاء العظيم الذي لا يعد ولا يحصر، قال الله جل شأنه: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [1] ، وقال سبحانه: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [2] .
والمراد: أنهم يتسلون بقولهم: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} عما أصابهم، فقد علموا أنهم ملك لله، يتصرف فيهم بما شاء، وعلموا أنه لا يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة، فأدى ذلك إلى اعترافهم بأنهم عبيده وإنهم إليه راجعون في الدار الآخرة، ولذا جاء الثناء العظيم من الله عليهم في تلك الآيات.
وعند الترمذي [3] بسند حسن بشواهده عن أبي سنان عيسى بن سنان القَسْلَمي قال: دفنت ابني سنانا، وأبو طلحة الخولاني جالس
(1) سورة الزمر، الآية: 10.
(2) سورة البقرة، الآيات: 155 - 157.
(3) في"جامعه" (رقم 1021) ، وأحمد بن حنبل (4/ 415) ، وعبد بن حميد (رقم 551) ، وحسنه الألباني في"صحيح الجامع" (رقم 795) .