قلت: بينت الآية أن المنافقين يتولون الكفار، ويناصرونهم، ويسارعون فيهم شحًا بدنياهم، وإذا أنكر عليهم قالوا نخشى من بطش الكفار، فكذَّب الله زعمهم، وبين كفرهم ونفاقهم، وأن مخالفة الكفار واتقائهم لا تُجَوِّز مظاهرتهم، وغاية ما رخص لنا ترك إظهار العداوة وإظهار المودة باللسان، دون الفعل والإعانة، ثم شرط هذه الرخصة أن يكون المسلم في سلطانهم وبين أيديهم، وهذه الآية تبطل استدلال المنافقين بالآية السابقة فتأمل.
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب:"فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أُكره مع كون قلبه مطمئنًا بالإيمان، وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه سواء فعله خوفا، أو مداراة، أو مشحة بوطنه، أو أهله وماله، أو فعله على وجه المزاح، أو لغير ذلك من الأغراض إلا المكره". كشف الشبهات.
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله في كتابه القيم الدلائل في حكم مولاة أهل الشرك:"ولم يفرق تعالى بين الخائف وغيره؛ بل أخبر تعالى أن الذين في قلوبهم مرض يفعلون ذلك خوفا من الدوائر، وكذلك حال هؤلاء المرتدين، خافوا من الدوائر فزال ما في قلوبهم من الإيمان بوعد الله الصادق بالنصر لأهل التوحيد؛ فبادروا وسارعوا إلى الشرك خوفا من أن تصيبهم دائرة قال الله تعالى: {فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} ".
وقال أيضا:"فإن قالوا خفنا قيل لهم كذبتم، وأيضا فما جعل الله الخوف عذرا في اتباع ما يُسخطه واجتناب ما يُرضيه، وكثير من أهل"