الصفحة 17 من 24

فكون فعل حاطب كفرا أمر لا مرية فيه، ولذلك لم ينكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - قول عمر بل أقره، و إلا لو كان أخطأ عمر في الحكم الظاهر لأنكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليه، كما أنكر على عتبان بن مالك لما قال مثل ذلك في مالك بن الدخشم، وكإنكاره على حنظلة لما قال نافق حنظلة، ثم إن عمر حكم على حاطب بعد أن سمع عذره بل وكرر عمر مقولته مرتين مما يدل على تيقن عمر في أن هذا العمل كفر ورده، فكيف بعد هذا كله يأتي من يقول أن عمر أخطأ وتعجل، وهل يعقل أن يجهل عمر الملهم، وصاحب السنة المتبعة بأمر من أصول الدين متعلق بالكفر والإيمان، ولا يُميز بين ما هو كفر وما هو معصية إن هذا في غاية القدح فيه -رضي الله عنه-، هذا كله يدل على أن الخلاف ليس في فعل حاطب وكونه فعل كفرا، وإنما كان الخلاف في تكفير حاطب وقتله. ومعلوم أنه ليس كل فاعل للكفر يكفر ويُقتل، بل لابد من قيام الحجة وتوافر الشروط وانتفاء الموانع والأعذار. عليه فيقال كان الحوار بين الرسول - صلى الله عليه وسلم -،وعمر في التكفير وقبول العذر وقيام المانع، لا في كون الفعل كفرا. فتأمله.

العاشر: أن فعل حاطب -رضي الله عنه- حقيقة أنه نقل للخبر للكفار لإرهابهم؛ فأراد أن يفت عزائمهم بأنه مهزومون لا محالة، فإما أن يستسلموا ويصالحوا، وأما أن يفروا، ولم يدل على عورات المسلمين، ولا في كلامه حثٌّ لهم على ضر المسلمين، أو النكاية بهم فضلا عن المناصرة، يدل لذلك قوله -رضي الله عنه-"أما بعد يا معشر قريش فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد جاءكم بجيش كالليل يسير كالسيل؛ فوالله لو"

جاءكم وحده لنصره الله وأنجز وعده، فانظرو لأنفسكم والسلام"فتح الباري 7/ 521. ومع هذا فأصل فعله من الكفر والتجسس الذي يعود في نهايته إلى جنس المظاهرة. ولكن حتى مع هذا يجب أن يعلم الفرق بين فعل حاطب، وفعل مظاهري زماننا، وحرصهم على النيل من المسلمين والتربص بهم."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت