في بعض المسائل ما هو مناط الاجتهاد من الأدلة دون غيرها [1] ، فإذا حصل له ذلك فهل له أن يجتهد فيها أو لابد أن يكون مجتهدًا مطلقًا عنده ما يحتاج إليه في جميع المسائل، فذهب جماعة إلى أنه يتجزأ وعزاه الصفي الهندي إلى الأكثرين، وحكاه صاحب النكت عن أبي علي الجبائي وأبي عبد الله البصري. قال ابن دقيق العيد: وهو المختار. لأنها قد تكون العناية بباب من الأبواب الفقهية حتى تحصل المعرفة بمأخذ أحكامه، وإذا حصلت المعرفة بالمآخذ أمكن الاجتهاد، قال الغزالي والرافعي: يجوز أن يكون العالم منتصبًا للاجتهاد في باب دون باب. وذهب آخرون إلى المنع، لأن المسألة في نوع من الفقه ربما كان أصلها من نوع آخر منه.
احتج الأولون بأنه لو لم يتجزأ الاجتهاد لزم أن يكون المجتهد عالمًا بجميع المسائل، واللازم منتفٍ، فكثير من المجتهدين قد سئل فلم يجب وكثير منهم سئل عن مسائل فأجاب في البعض، وهم مجتهدون بلا خلاف. ومن ذلك ما روي أن مالكًا سئل عن أربعين مسألة فأجاب في أربع منها، وقال في الباقي لا أدري [2] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية [3] : والاجتهاد ليس هو أمرًا واحدًا لا يقبل التجزؤ والانقسام. بل قد يكون الرجل مجتهدًا في فن أو باب
(1) «إرشاد الفحول» للصنعاني (ص 254، 255) .
(2) المرجع السابق.
(3) «مجموع الفتاوى» (20/ 212، 213) .