ولا شك أن ضبط ما قيل تقية من غيره متعذر، ولنا أن نسأل المراجع بالذات: هل يوجد لديكم ضابط يستطيع به طلاب العلم والحوزات والمثقفون أن يفرقوا بين ما قاله الأئمة على وجه التقية، وما قالوه على وجه الحقيقة، خاصة وأن العلماء أنفسهم اختلفوا في مسائل بسبب اختلافهم في هذه الرواية أو تلك هل قيلت على وجه التقية أو الحقيقة، فضلًا عن غير العلماء؟!!
ثم يقال: هل التقيةُ حالَ الضرورة جائزةٌ أم لا، وهل المعصومُ تجوز عليه التقية؟
والجواب: أن التقية حال الضرورة جائزةٌ لغير المعصوم؛ ودليل هذا ما حصل لعمارٍ رضي الله عنه عندما آذاه المشركون فتكلم بما يرضيهم حتى يتركوه، فلما تركوه وذهب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: «إن عادوا فعد» [1] .
أما المعصوم، فإنه لا تجوز له التقية بحال من الأحوال .. لأن مقتضى العصمة هو عدم الغلط في تبليغ هذا الدين، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ينطق عن الهوى، كما قال سبحانه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3 - 4] ويترتب على هذا أن كلَّ ما يقوله من أمور الدين حقٌ ووحيٌ وتشريعٌ، ولهذا لا يمكن أن يكذب حتى في حال الضرورة، وهذا معنى كونه معصومًا.
وتجويز الكذب عليه في الدين حتى حال الضرورة تجويزٌ للكذب على الله سبحانه، ولهذا لما سأل أحدُ الصحابة النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم: هل يكتب كلَّ ما يقول حتى في حال الغضب؟ قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اكتب فإني لا أقول إلا حقًا» [2] .
(1) المستدرك: (3362) ، سنن البيهقي الكبرى: (16673) ، وأيضًا: الكافي: (2/ 219) ، وسائل الشيعة: (16/ 226) ، بحار الأنوار: (19/ 35) .
(2) سنن أبي داود: (3646) ، وانظر تاريخ دمشق: (31/ 258) ، وأيضًا: بحار الأنوار: (2/ 147) .