وجاء في (نهج البلاغة) أيضًا أن عليًا قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما لما شاوره في الخروج إلى غزو الروم: «إنك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم فتنكب، لا تكن للمسلمين كانفةٌ دون أقصى بلادهم، ليس بعدك مرجعٌ يرجعون إليه، فابعث إليهم رجلًا مجرّبًا، واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهره الله فذاك ما تحب، وإن تكن الأخرى، كنت رِدءًا للناس ومثابةً للمسلمين» [1] .
وهذا من أعظم الأدلة على تعظيم عليٍّ لعمرَ رضي الله عنهما ومعرفته لقدره، وحرصه على حياته، ويكفي قوله: «ليس بعدك مرجعٌ يرجعون إليه» .
بل قال علي رضي الله عنه فيه وفي صاحبه الصديق رضي الله عنهما: «لعَمْرِي إنّ مكانهما في الإسلام لعظيمٌ، وإن المصاب بهما لجرحٌ في الإسلام شديد، فرحمهما الله وجزاهما أحسن ما عملا» [2] .
فهذه نبذة يسيرة من المناقب، ولو أُحصيت لبلغت المجلدات، وكلها من كتب الشيعة المعتمدة عندهم كما ترى.
وأمير المؤمنين علي رضي الله عنه لم يقتصر على هذا الثناء فحسب بل سمى أحد أبنائه (عمر) ، وزوج ابنته أم كلثوم رضي الله عنها عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما سيأتي بيانه.
والمؤسف أن بعض الشيعة لم يرضهم هذا الكلام؛ إذ هو عقبة أمامهم، وهو ما دفع الشيخ ميثم البحراني لأن يقول: «واعلم أن الشيعة قد أوردوا هنا سؤالًا، فقالوا: إن هذه الممادح التي ذكرها في حق أحد الرجلين -يعني: أبا بكر وعمر- تنافي ما أجمعنا عليه من تخطئتهما وأخذهما لمنصب الخلافة، فإما أن لا يكون هذا الكلام من كلامه رضي الله عنه، وإما أن يكون إجماعنا خطأً» [3] .
ونقول: كتاب نهج البلاغة لا شك في صحته عند الشيعة، فلم يبق إلا الاحتمال الآخر.
(1) نهج البلاغة، خطبة: (134) ، شرح ابن أبي الحديد: (8/296) ، وشرح محمد عبده: (2/18) .
(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: (15/76) .
(3) شرح نهج البلاغة لميثم البحراني: (4/98) .