الصفحة 43 من 68

فأنت تلحظ أنه استبعد القضية من جهة العقل -إضافة إلى اختلاف الروايات- وذكر أن مكانة الزهراء رضي الله عنها عند الصحابة رضي الله عنهم تنافي مثل هذا القول، فلا يمكن أن يَسكت الصحابة لو حصلَ شيءٌ من ذلك، ولاسِيَّما مع عظم محبتهم لها ولأبيها صلى الله عليه وآله وسلم.. وإن كنا لا نوافق هذا المرجع الشيعي في تعريضه بعمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال: «ليس لبراءة فلان من الناس» ، ويكفي في الرَّدِّ عليه وبيان فضل عمر رضي الله عنه ثناءُ علي رضي الله عنه عليه، ونُصْحُه له، وتزويجُه إياه ابنته أم كلثوم.

وملخص القول: أن من عرف حَثَّ الإسلام على الدفاع عن الأعراض، وعرف شجاعةَ عليٍ رضي الله عنه وأنفته، عَلِمَ بُطلانَ أمثال هذه القصص، ناهيك عما عُرف عن بقية الصحابة الذين كانوا يُجلِّون الزهراء ويبذلون الأرواح دونها.

ويقال ثالثًا: إن من تأمل ثناء عليٍّ على عمرَ رضي الله عنهما علم بطلان هذه القصص، إذ لا يمكن الثناء عليه بالتقوى والورع والموت على الإيمان لو صحت هذه القصص.

يقول علي رضي الله عنه واصفًا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه كما في (نهج البلاغة) : «لله بلاء فلان - يعني عمر - لقد قَوَّمَ الأَودَ، وداوى العَمَدَ [1] ، خَلَّف الفتنة، وأقام السنة، ذهب نَقِيَّ الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها وسبق شرها، أدى إلى الله طاعته، واتقاه بحقه، رحل وتركهم في طرق متشعبة لا يهتدي فيها الضال، ولا يستيقن المهتدي» [2] .

فهذه شهادة من أمير المؤمنين عليٍّ رضي الله عنه بأن عمر رضي الله عنه ذهب نقيَّ الثوبِ قليلَ العيبِ، وحاشاه أن يثني عليه هذا الثناء البليغ لو فعل مثل هذا الفعل الشنيع.

(1) قوم الأود، أي: قوم العوج، وداوى العَمَد، أي: داوى العلة.

(2) نهج البلاغة، خطبة: (228) ، شرح ابن أبي الحديد: (12/3) ، وشرح محمد عبده: (2/222) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت