فتبين أن هذه القصة من نسج الخيال، وأنها محض افتراء دل على بطلانه الشرع والعقل والواقع، ولكن ما هي إلا أداة لإثارة الشحناء والبغضاء بين المسلمين، وبث الفرقة بينهم، وسَببٌ لإبعادهم عن طلب الحق وبغيته بإثارة العواطف فيما لا طائل من ورائه، والله المستعان.
وأما قضية فدك فملخص الكلام كما يلي:
أولًا: أن أصل الحديث صحيحٌ دون ما وقع من زيادات لا صحة لها؛ فأبو بكر رضي الله عنه لم يعط فدكًا لفاطمة رضي الله عنها، لأنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إِنَّا لا نورث، ما تركنا فهو صدقة» [1] ، وفي رواية أخرى قال صلى الله عليه وآله وسلم: «إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر» [2] .
وقد وجدت عليه فاطمة رضي الله عنها في ذلك وهجرته، فلم تكلمه حتى ماتت [3] .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في توجيه اجتهادها: «وأما سبب غضبها [أي فاطمة رضي الله عنها] مع احتجاج أبي بكر بالحديث المذكور، فلاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسك به أبو بكر، وكأنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله: (لا نورث) ورأت أن منافع ما خلفه من أرض وعقار لا يمتنع أن تورث عنه، وتمسك أبو بكر بالعموم، واختلفا في أمر محتمل للتأويل، فلما صمم على ذلك انقطعت عن الاجتماع به لذلك» [4] .
وعدم كلامها له إنما هو في شأن الإرث، فلم تكلمه فيه حتى ماتت، وليس فيه دلالة على عدم كلامها له ألبتة، وإن كان فحسبه أنه عمل بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروي أنه دخل عليها فترضاها فرضيت [5] .
(1) البخاري: (3810) مسلم: (1761) .
(2) الترمذي: (2682) ، أبو داود: (3641) .
(3) البخاري: (4240-4241) ، مسلم: (1759) .
(4) فتح الباري: (6/202) .
(5) المرجع السابق.