شرح الحديث
قوله (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب ينقل التراب وقد وارى التراب بياض بطنه) في الحديث دلالةواضحة على عظيم الجانب العملي في حياة الداعية الاول نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فهو ينقل التراب على ظهره ويراه الصحابة على هذا الحال فيشتد نشاطهم وترتفع هممهم وهكذا ينبغي ان يكون الداعية يعمل قبل ان يقول فالعمل ابلغ من القول ولا يخفى أبدًا أثر القدوة فهي الصورة الحية للفكرة، والتطبيق العلمي للدعوة، والتوضيح الجلي للحجة، ولا شك أنها من أعظم أسباب بذر المحبة في القلوب، ووجود القناعة في العقول وكثير من المدعوين ينتفعون بالسيرة ولا سيما العامة وأرباب العلوم القاصرة فإنهم ينتفعون من السيرة والأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة ما لا ينتفعون به من الأقوال التي قد لا يفهمونها والعكس صحيح فلو وجدت المحبة، وأقيمت الحجة، وبذلت الدعوة كان لتخلف القدوة ووجود ما يعارض مقتضى الدعوة أثره في ضعف التأثير ونقص المحبة، وزعزعة القناعة ومعلوم (أن التأسي بالأفعال - بالنسبة لمن يعظّم في الناس - سرٌ مبثوث في طباع البشر، لا يقدرون عن الانفكاك عنه بوجه ولا بحال ولا سيما عند الاعتياد والتكرار) [1] ورحم الله ابن القيم حيث أبدع في بيان عكس هذه الحقيقة عندما قال: (علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم فكلما قالت أقوالهم للناس هلموا قالت أفعالهم لا تسمعوا منهم، فلو كان ما دعوا إليه حقًا كانوا أول المستجيبين له فهم في الصورة أدلاء وفي الحقيقة قطاع الطريق) ولله در هرم بن حيان حيث حذر من العالم الفاسق فكتب إليه عمر رضي الله
(1) الموافقات 4/ 248 - 249.