المبحث الأول
حكمة الداعية
الحكمة لغةً:
مَصْدَرُ قَوْلِهِمْ حَكُمَ أَيْ صَارَ حَكِيمًا، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ مَادَّةِ (ح ك م) الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ أَوِ الْمَنْعِ لِلإِصْلاَحِ [1] ، وَمِنْ هَذَا الأَصْلِ أُخِذَ أَيْضًا الْحُكْمُ فِي مَعْنَى الْمَنْعِ مِنَ الظُّلْمِ، وَحَكَمَةُ اللِّجَامِ [2] لأَنَّهَا تَمْنَعُ الدَّابَّةَ عَمَّا لاَ يُرِيدُهُ صَاحِبُهَا، وَالْحِكْمَةُ لأَنَّهَا تَمْنَعُ مِنَ الْجَهْلِ.
يَقُولُ الْجَوْهَرِيُّ: الْحُكْمُ مَصْدَرُ قَوْلِكَ: حَكَمَ بَيْنَهُمْ يَحْكُمُ أَيْ قَضَى، وَيُقَالُ حَكَمَ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ، وَالْحُكْمُ أَيْضًا: الْحِكْمَةُ (الْمَانِعَةُ مِنَ الْجَهَالَةِ) [3] ، وَالْحَكِيمُ الْعَالِمُ، وَالْحَكِيمُ: صَاحِبُ الْحِكْمَةِ، وَالْحَكِيمُ: الْمُتْقِنُ لِلأُمُورِ، وَقَدْ حَكُمَ أَيْ صَارَ حَكِيمًا.
وَاسْتَحْكَمَ الرَّجُلُ إِذَا تَنَاهَى عَمَّا يَضُرُّهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} (هود/1) فَمَعْنَاهُ كَمَا قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ بِالأَمْرِ وَالنَّهْىِ وَالْحَلاَلِ وَالْحَرَامِ، ثُمَّ فُصِّلَتْ بِالوَعْدِ وَالوَعِيدِ.
(1) ذهب إلى الرأي الأول ابن فارس في مقاييسه 2/1، وإلى الآخر الراغب في مفرداته ص 6.
(2) الحَكَمَةُ ما أحاط بحنكي الدابَّة سميت بذلك لأنها تمنعه من الجري الشديد. لسان العرب ط. دار المعارف ص 4، وقال الجوهري: حكمة اللجام ما أحاط بالحنك. الصحاح 5/2.
(3) في الأصل: والحكم: الحكمة من العلم ولعل في هذا إشارة إلى معنى الحكم في قوله تعالى {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} فالحكم بمعنى الحكمة التي هي علم مانع من الجهالة.