ومعلوم أن معاذًا كان يرسل ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه هو متولي الصدقة ومفرّقها على الفقراء بالمدينة، وقد قبل ذلك وأقرّه عليه مع أنه صلى الله عليه وآله وسلم لَمّا وجهه إلى اليمن، قال له: (خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة من البقر) (1) ، كما رواه البَيْهَقيّ (2) ، فقال: (( أخبرنا أبو علي الروذباريّ وأبو عبد الله الحافظ، قالا: حدثنا أبو العبّاس محمد بن يعقوب حدثنا الربيع بن سليمان حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني سليمان بن بلال عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعثه إلى اليمن، فقال:(خذ الحب من الحب والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة من البقر) . )).
ومع هذا التعيين الصريح قال معاذ ( للناس: ائتوني بعرض ثياب بدل الشعير والذرة؛ لعلمه أن المرادَ سد حاجة الفقراء لا خصوص هذه الأعيان، ولذلك قال: فإنّه أهون عليكم وخير لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة، وأقره النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك ولو كان خلاف الشرع المفترض لما أقرّه، ولأمره برد ذلك إلى أهله ونهاه عنه، كما وقع في غيره(3) .
فصل[في ذكر دليل آخر على
جواز أخذ النبي ( القيمة في الزكاة]
(1) في المستدرك 1: 546، وصححه، وسنن أبي داود 2: 109، وسنن ابن ماجة 1: 508، وسنن الدارقطني 2: 99، وغيره.
(2) في سننه الكبير 4: 112.
(3) رحم الله المؤلف رحمة واسعة على دقة فهم واستدلاله مع حفظه الواسع، فلو لم يكن له سوى هذا الاستدلال على جواز إخراج القيمة في الزكاة لكفى حجّة وبرهانًا في الردّ على كلّ مخالف، وإن مثل هذا الاستدلال لو كتبناه بماء الذهب ما أوفيناه حقّه.