فكما نصّ الفقهاءُ على هذا وانتقل الحكم في نظرهم من المنصوص إلى غيره، كذلك ينتقل إلى المال الذي لم يكن في عصرهم بمنزلته الآن، على أن المال الحقيقي الذي هو الذهب والفضة قد انتقل حكمه أيضًا إلى الورق الذي لو أُعطيه الفقيرُ منذ أعوام لعدّه سخرية واستهزاء، واليوم لو أعطي قرشًا من الفضّة لعدّه سخرية واستهزاء به، بخلاف الورق، فالعبرة بالمنفعة والمقاصد لا بالوسائل والأسباب.
فصل
[في وجوب إخراج الطعام
على أهل البادية البعيدة]
فمراعاة لهذه المقاصد نقول: إن الواجب على أهل البادية البعيدة من المدن إخراج الطعام المقتات عندهم لا التمر ولا المال؛ لأن حالَهم مشابه لحال أهل عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كون طعامهم الحبّ مع وجود الأَرْحاء في بيوتهم التي تمكنهم من الانتفاع به بخلاف المال، فإن الفقيرَ لو أخذه في البادية لاضطر معه إلى السؤال حيث لا توجد أسواق ولا دكاكين؛ لبيع الطعام المهيأ المطبوخ، لا خبز ولا غيرها، كما كان في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وكذلك لو تغيّر الحال في المدن وانقطعت الالآت وعادت المياه إلى مجاريها الأصلية، فإنّ الحكمَ يكون كذلك، أما اليوم فالمال في الحواضر أنفع للفقراء وإخراجه هو الأفضل والأولى. والله أعلم.
فصل
[في أسباب عدم جواز تقليد
القائلين بعدم جواز إخراج القيمة]
وإذا ثبت من هذه الوجوه والدلائل جواز إخراج المال، فاعلم أن تقليد الفقهاءَ القائلين بعدم إجزائه لا يجوز لأسباب:
السبب الأول:
إنهم حكموا بذلك بناءً على ما كان عليه الحال في عصرهم المشابه لعصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والذي استمر كذلك إلى أوائل هذا القرن الرابع عشر، أما اليوم فقد تغيّر الحال تغيّرًا لو وقع في عصرهم لَمَا أفتوا إلا بإخراج المال مراعاةً لما ذكرناه من الأدلة.