وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.
أما بعد:
فمَن يعلم أنّ أفعال المكلفين لا تخلو من أحكام لله، ويعلم أن نصوصَ الشرع الدالّة على الأحكام محصورة متناهية، والأفعال والحوادث غير محصورة ولا متناهية، وما لا ينحصر ولا يتناهى لا يضبطه ما ينحصر ويتناهى.
يعلم قطعًا أن الاجتهادَ واجب الاعتبار، وأن الزمانَ لا يجوز عقلًا خلوه من مجتهد قائم لله بالحجّة على خلقه (1)
(1) مسألة خلو الزمان عن مجتهد مسألة مهمة يكثر طرحها والتعرض لها في الأوساط العلمية، وقلما أحدٌ يحقق القول فيها، والمؤلف رحمه الله تعالى لم تكن المسألة موضوع بحثه؛ لذا لم يوفها حقها من العرض والتبيين، فكان في كلامه إيهام لما هو الصواب، فحاصل الكلام فيها أنها مسألة خلافية عند علماء الأصول:
فذهب الأكثر كالآمدي وابن الحاجب إلى جواز خلو العصر عن المجتهد، وجزم به في المحصول، وقال الرافعي: الخلق كالمتفقين على أنه لا مجتهد اليوم، ولعله أخذه من الإمام الرازي, أو من قول الغزالي في الوسيط: قد خلا العصر عن المجتهد المستقل؛ لأن الأصل عدم موجب منع من خلو الزمان عن مجتهد، بل ثبت موجب خلو الزمان عن المجتهد، وهو ما رواه البخاري 1: 50: قال (:(إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) .
وذهب الحنابلة إلى أنه لا يخلو الزمان عن مجتهد، ووافقهم بعض الشافعية كأبي إسحاق والزبيري وابن دقيق العيد؛ لأن الله تعالى لو خلى زمانًا من قائم بحجة زال التكليف؛ إذ التكليف لا يثبت إلا بالحجة الظاهرة، وإذا زال التكليف بطلت الشريعة، ولأنه لو عدم الفقهاء لم تقم الفرائض كلها, ولو عطلت الفرائض كلها لحلت النقمة بذلك في الخلق؛ ولأن الخلو من مجتهد يلزم منه إجماع الأمة على الخطأ, وهو ترك الاجتهاد الذي هو فرض كفاية.
وتحقيق الكلام أنه يجوز خلو عصر عن مجتهد مطلق، ولا يجوز خلوها عن مجتهد في المذهب؛ لأن باجتهاد الأئمة الأربعة تحقق للأمة غايتها من الاجتهاد المطلق من الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين بتنقيح الفروع، وتأسيس القواعد والأصول، وبذلك تمت المرحلة الأولى والأساسية في الفقه وقد قام بها الأئمة الأربعة، ثم انتقل الفقه إلى مرحلته الثانية، وهي مرحلة البناء والتشييد التي قام بها المجتهدون في المذاهب، فهؤلاء الذين لا يجوز خلو الزمان عنهم؛ لئلا تتعطل الأحكام الفقهية فيما يستجد للناس من المسائل الفقهية، ومن تأمل في حجج القائلين بمنع خلو الزمان عن المجتهد يجد أن ما عللوا بها يمكن أن يقوم به المجتهد في المذهب، بالأضافة إلى أن الأمة لم تقبل إلا اجتهاد هؤلاء الأئمة الأربعة المستقلين رغم كثرة المجتهدين المطلقين، واستمرت في استقاء أحكام مسائل الحادثة من أصولهم وفروعهم، قال الزركشي في البحر المحيط 8: 241-242: والحق أن الفقيه الفطن القياس كالمجتهد في حق العامي, لا الناقل فقط... والحق أن العصر خلا عن المجتهد المطلق, لا عن مجتهد في مذهب أحد الأئمة الأربعة وقد وقع الاتفاق بين المسلمين على أن الحق منحصر في هذه المذاهب, وحينئذ فلا يجوز العمل بغيرها , فلا يجوز أن يقع الاجتهاد إلا فيها. وينظر: التقرير والتحبير 3: 339-340، والبحر المحيط 240-242، وغيرهما.