الصفحة 102 من 108

إن الوقوف مع النصّ والتمسّك بالظاهر فيما هو بيِّن العلّة واضح الحكمة، قلب للحقائق وعكس لمقاصد الشارع، فإن مَن يسمع قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا } (1) ، فيحملها على خصوص الأكل ويتلفها، وينتفع بها في اللباس والركوب والمسكن وغير ذلك يكون مخالفًا للآية، داخلًا في الوعيد بإجماع الأمة، بل والعقلاء وإن تمسك بالظاهر، ووقف مع النصّ.

وكذلك مَن يسمع قول الله تعالى في حق الوالدين: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا} (2) ، فيبصق في وجههما ويضربهما ويتمسّك بنص التأفيف والانتهار يكون عاقًا داخلًا في النهي والوعيد بلا خلاف بين العقلاء.

ولهذا لما تمسّك اليهود بمثل هذا الوقوف مع النص، والظاهر في صيد السمك الذي نهاهم الله عنه يوم السبت، فنصبوا الشباك عشية الجمعة، وأخذوها يوم الأحد عاجلهم الله بعقابه فمسخطهم قردة وخنازير، مع أنهم لم يخرجوا عن ظاهر اللفظ؛ لأن التعويل على قصد المتكلم ومراده لا على الألفاظ؛ لأنها لم تقصد لنفسها، وإنما قصدت للمعاني والتوصل بها إلى معرفة المراد.

فلو تمسّكنا اليوم بالنصّ في زكاة الفطر وأخرجنا التمر والزبيب لما كنَّا ممتثلين، ولا مُزكين؛ ولهذا نصّ الفقهاء على أن الأعيان المنصوص عليها لا تجزئ إلا لمَن كانت قوته، وقالوا: في الأقط لا يجزئ إلا لأهل البادية: أي بادية الحجاز الذين كان الأقط طعامهم؛ لأن المراد ما يكون قوتًا للفقراء لا عين المنصوص.

(1) النساء: من الآية10.

(2) الاسراء: من الآية23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت