الصفحة 47 من 108

فمَن كان مقلِّدًا فحسبُه تقليدَ هؤلاء الأئمة، ولو من غير مذهبه (1) ، فإن الانتقال من مذهب إلى مذهب، ولو في بعض النوازل جائز على الصحيح المشهور في كلّ المذاهب (2)

(1) قال العلامة عبد الغني النابلسي في خلاصة التحقيق في بيان حكم التقليد والتلفيق ص122: أما غير المجتهد فهم عامة الناس فلا يجب عليهم التزام العمل بمذهب معين من المذاهب الأربعة على القول الراجح، بل يجوز لكل أحد منهم أن يعمل في عبادة أو معاملة على أي مذهب شاء، لكن بعد استيفاء جميع الشروط التي يشترطها المذهب، إلا كان عمله باطلًا بالإجماع... ومتى عمل عبادة أو معاملة ملفقة أخذ لها من كل مذهب قولًا لا يقول به صاحب المذهب الآخر، فقد خرج عن المذاهب الأربعة واخترع له مذهبًا خامسًا، فعبادته باطلة، ومعاملته غير صحيحة، وهو متلاعب في الدين، وغير عامل بمذهب من مذاهب المجتهدين؛ لأنه لو سئل كل مفت من أهل المذاهب الأربعة، فلا يسوغ له أن يفتي بصحة تلك العبادة أو المعاملة؛ لفقد شروط صحتها عنده، فإن قولهم: العامي لا مذهب له، يعين معينًا، وإنما مذهبه مذهب مفتيه، فأي فقيه أفتاه جاز له العمل بقوله.

(2) إن الأصل للمفتي المقلّد أن لا يفتي إلا بمذهب إمامه حسب القواعد السابقة؛ إذ أن تقليد إمام معيّن حكم مبنيّ على المصالح الشرعية؛ لئلا يقع الناس في اتباع الهوى، فإن التقاط رخص المذاهب بالهوى والتشهي حرام، ولذلك منع كثير من العلماء التلفيق بين المذاهب، وليس جميع ذلك إلا لوقاية الناس عن اتباع أهوائهم الفاسدة، وإلا فالمحقق أن جميع مذاهب المجتهدين محقّة لا سبيل لطعن في أحد منها؛ لأن كل مجتهد بذل ما في وسعه من جهد في الوصول إلى مراد النصوص واستخراج الأحكام منها.

فليست الشريعة منحصرةٌ في مذهب إمام واحد، بل كل مذهب جزء من أجزاء الشريعة وطريقة من طرق العمل عليها، فالمسائل الفقهية المدونة في مذهب واحد تندرجُ في قسم الشرع المؤول دون الشرع المنَزّل، وإنما الشرع المنزّل دائر بين سائر المذاهب، ومَن ظن أن الشريعة منحصرة في مذهب واحد من هذه المذاهب فإنه مخطئ بيقين.

ومن هذه الجهة ربما يجوز لمفتي مذهب واحد أن يختار قول المذهب الآخر للعمل أو للفتوى بشرط أن لا يكون ذلك بالتشهي المجرّد واتباعًا للهوى، وإنما يجوز ذلك في حالتين:

الأولى: الضرورة أو الحاجة: وذلك أن يكون في المذهب في مسألة مخصوصة حرج شديد لا يطاق أو ضرورة واقعية لا محيص عنها فيجوز أن يعمل بمذهب آخر؛ دفعًا للحرج، ورفعًا للضرورة وهذا كما أفتى علماء الهند بمذهب المالكية في مسألة المفقود وغيرها.

وقد نص علماء المذهب على ذلك في بعض المسائل كما في أصول الإفتاء ص52-53 وغيره، فقد صرَّح جمعٌ من الحنفية كالقُهُستاني في جامع الرموز 2: 217والحصكفي في الدرِّ المنتقى شرح الملتقى 1: 713-714.، وابن عابدين وغيرهم: بأنّه لو أفتى حنفيٌّ في هذه المسألة بقول مالك ( عند الضرورة لا بأس به.

قال العلامة محمد تقي العثماني في في أصول الإفتاء ص53 وقد تعقدت في عصرنا المعاملات وكثرت فيها حاجات الناس، ولا سيما بعد حدوث الصناعات الكبيرة وشيوع التجارة فيما بين البلدان والأقاليم، فينبغي للمفتي أن يسهل على الناس في الأخذ بما هو أرفق فيما تعم به البلوى، سواء كان في غير مذهبه من المذاهب الأربعة، وقد أوصى بذلك شيخ مشايخنا العلامة رشيد أحمد الكنكوهي صاحبه الشيخ العلامة أشرف علي التهانوي وقد عمل بذلك التهانوي في كثير من المسائل في إمداد الفتاوى.

ولكن يجب لجواز الإفتاء بمذهب الغير بسبب الحاجة أو عموم البلوى أن تتحقق الشروط الآتية:

أن تكون الحاجة شديدة والبلوى عامة في نفس الأمر لا مجرد الوهم بذلك.

أن يتأكد المفتي بآراء غيره من أصحاب الفتوى بمسيس الحاجة، والأحسن أن لا يتبادر بالإفتاء منفردًا عن غيره، بل يجتهد أن يضمّ معه فتوى غيره من العلماء؛ لتكون الفتوى جماعيًا لا انفراديًا.

أن يتأكد ويتثبت في تحقيق المذهب الذي يريد أن يفتي به تحقيقًا بالغًا، والأحسن أن يراجع في ذلك علماء ذلك المذهب ولا يكتفي برؤية مسألة في كتاب أو كتابين؛ لأن كل مذهب له مصطلحات تخصه وأساليب ينفرد بها، وربّما لا يصل إلى مرادها الحقيقي إلا مَن مارس هذه المصطلحات والأساليب.

أن يؤخذ ذلك المذهب بجميع شروطه المعتبرة عنده؛ لأن لا يؤدي ذلك إلى التلفيق في مسألة واحدة.

الثانية: أن يكون المفتي متبحرًا في المذهب عارفًا بالدلائل؛ له نظر عميق في القرآن والسنة وإن لم يبلغ درجة الاجتهاد. ينظر: كتابي المدخل إلى دراسة الفقه الإسلامي ص261-263، وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت