وهذا أيضًا من أعظم الحجج، وأوضح البراهين على عدم انقطاع الاجتهاد (1) ، وخلو الزمان من المجتهدين، فإن كتبَ النوازل والفتاوى على المذاهب الأربعة وغيرها بالغة آلاف المجلدات، وجلّ ما اشتملت عليه صادر عن غير الأئمة الأربعة، بل وعن غير أصحابهم، وأصحاب أصحابهم، إنما هو استنباط مَن جاء بعدهم من الفقهاء والمفتين في كلِّ عصر إلى وقتنا هذا، الذي هو مع ضعف همم أهله، وقلّة عنايتهم بالعلم، ورغبتهم فيه، قلّما يخلو فيه بلد أو قبيلة من مفت أو مفتين يستنبطون لكلّ حادثة حكمها من النصوص الفقهية والقواعد المذهبية، أو كما تقدَّمَ لها من الأشباه والنظائر التي حكم فيها أمثالُهم من المفتين السابقين.
فهذا عين الاجتهاد الذي ينكره جهلة العصور المتأخرة، ويدعون استحالته وعدم قدرة أهل الزمان عليه، مع أنهم مجتهدون حتى في إنكارهم الاجتهاد الذي لم ينكره أئمتهم، بل عدّوه من فروض الكفاية والواجبات التي لا يجوز خلو الزمان منها، وهم بهذا الاجتهاد لا يشعرون.
(1) إن علمائنا السابقين عندما قالوا: بإغلاق باب الاجتهاد بعد القرن الثالث والرابع الهجري، إنما قصدوا إغلاق وسد باب التلاعب في الشريعة من قبل مَن يدعي الاجتهاد المطلق، ويفتي بما يوافقه هواه وجاهه ويرضي أسياده، أما باب الاجتهاد فلم يغلق بدليل استمرار العلماء في كفاية حاجة الناس بأحكام المسائل الجديدة، واستمرار حكم دولة الإسلام بهذا الدين من خلال اجتهاد الفقهاء الملتزمين مذهبًا فقهيًا، وكثرت الشروح والحواشي والفتاوى وما حوته من المسائل المتجددة في كل عصر لأكبر دليل على استمرار الاجتهاد وعدم إغلاقه.