وخالفوه أيضًا في قولهم: إن الواجب من البُرّ صاع مع أنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا نصف صاع، بل أنكر جمع من الحفّاظ: كابن المُنْذر، وابن حَزْم، والبَيْهَقيّ، والحافظ، ثبوت البُرّ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مطلقًا لا بصاع ولا بنصف صاع، وأكّدوا ذلك بأن البُرّ لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة كما ورد في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد وعبد الله بن عمر (، وبيَّنوا أن المرادَ بالطعام في حديث أبي سعيد ( هو الشعير لا البُرّ، وردّوا على مَن زعم أنه البُرّ وأبطلوا زعمه بما لا يقبل النزاع، ولولا خوف التطويل لبيَّنا ذلك، ولتكلمنا على جميع الأحاديث الواردة بصاع من البُرّ حتى يتحقّق الناظر من ضعفِها، وفي تضعيف هؤلاء الحفّاظ كفاية.
فصل
[في دفعة شبهة
أن المنصوص عليه تعبدي]
فإن قالوا: إنّ المنصوص عليه تعبّدي لا يفهم له معنى ولا علّة؟
شقد ناقضتم هذا، وصرحتم بأنه معقول المعنى بيِّن العلّة؛ ولذلك قستم عليه كل ما في معناه.
وإن قالوا: هو معقول المعنى فلذلك قسنا عليه؟
قلنا: قد ناقضتم هذا أيضًا ولم تقيسوا عليه كلّ ما في معناه، بل تحكّمتم، فألحقتم أشياء ومنعتم غيرها مع اتّحاد الجميع في العلّة.
ثم نسألهم عن العلّة التي جوّزت لهم القياس والإلحاق؟
فإن قالوا: المطعوميّة.
قلنا: قد ناقضتم هذا فلم تجيزوا كلّ مطعوم من خضر وفواكه وحلواء.
وإن قالوا: الاقتيات.
قلنا: قد ناقضتم هذا أيضًا، فمنعتم الدقيق والسَّويق والحمص والعدس والفول وغيرها ممّا هو مقتات، واضطرب مالك في القَطّانيّ فأجازها مرّة، ومنع منها أخرى.
وإن قالوا: هي خاصّة بالمُعشَّر.
قلنا: ناقضتم ذلك باللحم واللبن والأقط والدقيق وغيرها وهي غير معشَّرة.
وإن قالوا: ممّا تنبته الأرض خاصّة.
قلنا: ناقضتم ذلك باللحم واللبن والأقط، فإنّها من الحيوان.