إنها من قياس الحاضر على الغائب المجهول، فإنّهم قاسوا عصرهم على عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وظنّوا أن هذه الأشياء لَمَا كانت مختلفة القيم في عصرهم، كانت كذلك في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا أمر يحتاج إلى نقل صريح في إثباته، وإلا فالأزمنة والعصور تختلف في الأسعار ومساوات الأشياء وتفاضلها، وقد وجدنا هذه الأشياء اختلفت من عصر النبي صلى الله عليه وآله و سلم إلى عصر عمر ( وعلي (، فكان البرّ قليلًا أو مفقودًا في زمانه صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة المنوّرة، وكثر في زمان عمر وعثمان وعلي ( بسبب فتح الشام ومصر وغيرهما من الأقطار.
وأقصى ما بين زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزمان عمر ( ثمانية عشر عامًا، فكيف بستمئة سنة، فإن هذا الدليل استدلّ به ابنُ العربي من المالكية في المئة السادسة، ومن قَبْلِه الخَطَّابيّ(1) من الشافعية في المئة الرابعة.
كما أنّ أهل المدينة كان طعامهم في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم التمر مجردًا، بحيث يمكثون الشهر والشهرين بل الشهور لا يذوقون فيها طعامًا غيره، ثم بعده بقليل تغيّر الحال وصار طعامهم كسائر الناس، وبقي التمر عندهم للتفكّه والتأدّم لا للاقتيات به وحده.
فكيف يقاس العصر المتأخّر على المتقدّم مع هذا التباين العظيم؟!
الوجه الثاني:
إن هذه دعوى غير مسلمة، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غاير بين الأعيان ولم يسوّ بينها كما قدّمناه من طرق بلغت حدّ التواتر، فبطل هذا الدليل من أصله.
الشبهة الثانية:
(1) وهو حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخَطَّاب الخَطَّابي البُسْتِيّ، من مؤلفاته: معالم السنن في شرح سنن أبي داود، وغريب الحديث، وأعلام السنن في شرح البخاري، (ت388هـ) . ينظر: وفيات (2: 214-216) . مراة الجنان (2: 435-436) . الأنساب (3: 380) . العبر (3: 39. مقدمة التعليق الممجد(1: 99) .