فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 107

المصيب، فأستصرخكم معلنًا، وأناديكم نداء المستغيث معربًا، فلا تسمعون لي قولًا، ولا تطيعون لي أمرًا، حتى تصير بي الأمور إلى عواقب المساءة، فأنتم القوم لا يدرك بكم الثأر، ولا تنقض بكم الأوتار، دعوتكم الى غياث إخوانكم منذ بضع وخمسين ليلة فتجرجرتم جرجرة الجمل الأشدق، وتثاقلتم إلى الأرض تثاقل من ليس له نية في جهاد العدو، ولا اكتساب الأجر، ثم خرج إلىَّ منكم جنيد متذانب كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون، فأف لكم) [1] .

أقول: هذه الرواية التي ذكرها الطبري في تاريخه لا تصح، فهي من مرويات أبي مخنف الكذاب، فضلًا عن جملة من النكارات في متنها، ومنها وصف علي بن أبي طالب رضي الله عنه لجملة من الصحابة بالفجور والظلم وبأنهم يصدون عن سبيل الله تعالى، وهذه من صفات الكفرة لا المؤمنين، ولا يعقل من علي بن أبي طالب رضي الله عنه قول ذلك على ما كان له من العلم والتقوى والعلم بأحوال الصحابة وفضلهم، ولا يمنع ذلك تحقق حزنه لمقتل محمد بن أبي بكر أو وصفه بالشهيد فهو ربيبه في حجره، وواليه على مصر وأحد جنوده الأوفياء الذين وقفوا معه في حروبه ضد من بغوا عليه، وقد قال عنه علي بن ابي طالب (إني كنت لأعده ولدًا، وكان أخًا وابن أخ، فعند الله نحتسبه) [2] ، وقد ورد أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يثني عليه ويفضله لأنه كان له عبادة وإجتهاد [3] ، والله تعالى أعلم.

أرسل علي بن أبي طالب رسالة إلى عبد الله بن عباس في البصرة يخبره بمقتل محمد بن أبي بكر وضياع مصر ودخولها تحت إمرة معاوية وقد جاء فيها (بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس، سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإن مصر قد افتتحت، ومحمد بن أبي بكر قد استشهد، فعند الله نحتسبه وندخره، وقد كنت قمت في الناس في بدئه، وأمرتهم بغياثه قبل الوقعة، ودعوتهم سرًا وجهرًا، وعودًا وبدءًا، فمنهم من أتى كارهًا، ومنهم من اعتل كاذبًا، ومنهم القاعد حالًا، أسأل الله أن يجعل لي منهم فرجًا ومخرجًا، وأن يريحني منهم عاجلًا والله لولا طمعي عند لقاء عدوى في الشهاده لأحببت ألا أبقى مع هؤلاء يومًا واحدًا عزم الله لنا ولك على الرشد، وعلى تقواه وهداه، إنه على كل شيء قدير والسلام) [4] ، ويلاحظ في هذه الرسالة حزن علي بن أبي طالب على مقتل محمد بن أبي بكر وضياع مصر من يديه ومآلها إلى معاوية بن أبي سفيان،

(1) . تاريخ الطبري (5/ 108) .

(2) . معرفة الصحابة (1/ 168) .

(3) . الإستيعاب في معرفة الأصحاب (3/ 1367) .

(4) . تاريخ الطبري (5/ 109) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت