وهناك رواية أخرى ذكرها إبن كثير في البداية والنهاية (عن سيف بن عمر التميمي رحمه الله عن العيص بن القاسم عن رجل عن خنساء مولاة أسامة بن زيد- وكانت تكون مع نائلة بنت الفرافصة إمرأة عثمان أنها كانت في الدار ودخل محمد بن أبي بكر فأخذ بلحيته وأهوى بمشاقص معه فيجاء بها في حلقه، فقال مهلًا يا ابن أخى، فو الله لقد أخذت مأخذًا ما كان أبوك ليأخذ به، فتركه وانصرف مستحييا نادمًا، فاستقبله القوم على باب الصفة فردهم طويلًا حتى غلبوه، فدخلوا وخرج محمد راجعًا) [1] .
أقول: الرواية الأولى التي أوردها إبن كثير لم أجد لها سندًا عنده ولا عند غيره من أهل العلم فلا يحتج بها، والرواية الثانية عند إبن كثير في سندها سيف بن عمر وهو لا يؤخذ بحديثه في هذا الجانب كما تبين سابقًا والله تعالى أعلى وأعلم.
عندما إشتد الحصار على عثمان في داره، ومنع عنه محاصروه الماء، أرسل عثمان بعض من كان معه في الدار لإحضار الماء من بيوت المسلمين، فلبى نداءه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكذا أم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنهما، وقد جاءت أم حبيبة بالماء إلى عثمان على بغلة لها، ولكنهم منعوها من الدخول على عثمان ومنعوا وصول الماء إليه، وقد ذكر الطبري أنهم قد ضربوا وجه بغلتها، فقالت: إن وصايا بني أمية إلى هذا الرجل، فأحببت أن ألقاه فأسأله عن ذلك كيلا تهلك أموال أيتام وأرامل قالوا: كاذبة، وأهووا لها وقطعوا حبل البغلة بالسيف، فندت بأم حبيبة، فتلقاها الناس، وقد مالت راحلتها، فتعلقوا بها وأخذوها وقد كادت تقتل فذهبوا بها إلى بيتها [2] ، وبعد هذه الحادثة الشنيعة بحق أم المؤمنين أم حبيبة رضي الله عنها تجهزت عائشة رضي الله عنها خارجة إلى الحج وقد رأت أن خروجها ربما كان معينًا في فض هذه الجموع، وتجهزت أمهات المؤمنين إلى الحج هربًا من الفتنة، على أن خروجهن لم يكن تنزهًا عن ملابسات الفتنة وحسب، ولم يكن هربًا محضًا، وإنما كان محاولة منهن لتخليص عثمان رضي الله عنه من أيدي هؤلاء المفتونين، الذين كان منهم محمد بن أبي بكر، أخو السيدة عائشة رضي الله عنها، الذي حاولت أن تستتبعه معها إلى الحج فأبى [3] ، فقالت: والله لئن استطعت أن يحرمهم الله ما يحاولون لأفعلن [4] ، والظاهر أنها
(1) . المرجع السابق (7/ 184) .
(2) . تاريخ الطبري (4/ 386) .
(3) . عثمان بن عفان رضي الله عنه للصلابي ص (386) .
(4) . الكامل في التاريخ لإبن الأثير (2/ 540) .