الأمر من علي ونازعوه إياه، وكذلك معاوية بن أبي سفيان ومن كان معه، وهذا لا يخفى على أحد أنه ديدن الشيعة الروافض، فدل ذلك على أن هذه الرسالة من صنيعهم دون غيرهم.
رابعًا: خلو هذه الرواية عند المسعودي وعند إبن أبي الحديد من السند، كما هو الحال في جل رواياتهما، مما يزيدها ضعفًا على ضعف، وتأكيدًا للقارئ بأنها من إختلاق الرافضة المغرضين.
أما الرسالة الثانية فكانت عبارة عن رد معاوية بن أبي سفيان على رسالة محمد بن أبي بكر، وقد جاء فيها (من معاوية بن أبي سفيان، إلى الزاري [1] على أبيه محمد بن أبي بكر، سلام على أهل طاعة الله، أما بعد، فقد أتاني كتابك تذكر فيه ما الله أهله في قدرته وسلطانه، وما أصفى به نبيه، مع كلام ألفته ووضعته، لرأيك فيه تضعيف، ولأبيك فيه تعنيف، ذكرت حق إبن أبي طالب وقديم سابقته، وقرابته من نبي الله ونصرته له، ومواساته إياه، في كل خوف وهول، واحتجاجك علي، وفخرك بفضل غيرك لا بفضلك، فأحمد إلهًا صرف ذلك الفضل عنك، وجعله لغيرك، فقد كنا وأبوك معنا في حياة نبينا، نرى حق إبن أبي طالب لازمًا لنا، وفضله مبرزًا علينا، فلما أختار الله لنبيه ما عنده، وأتم له ما وعده، وأفلج حجته، قبضه الله إليه، فكان أبوك وفاروقه، أول من إبتزه وخالفه، على ذلك إتفقا وأتسقا، ثم دعواه إلى أنفسهما فأبطأ عنهما، وتلكأ عليهما، فهما به الهموم، وأرادا به العظيم، فبايعهما وسلم لهما، لا يشركانه في أمرهما، ولا يطلعانهما على سرهما، حتى قبضا وانقضى أمرهما، ثم أقاما بعدهما ثالثهما عثمان بن عفان، يهتدي بهديهما، ويسير بسيرتهما فعبته أنت وصاحبك، حتى طمع فيه الأقاصي من أهل المعاصي، وبطنتما وظهرتما، وكشفتما له عداوتكما وغلكما، حتى بلغتما منه مناكما، فخذ حذرك يا إبن أبي بكر، فسترى وبال أمرك، وقس شبرك بفترك، تقصر عن أن تساوي أو توازي من يزن الجبال حلمه، ولا تلين على قسرٍ قناته ولا يدرك ذو مدىً أناتة، أبوك مهد له مهاده، وبنى ملكه وشاده، فإن ما نحن فيه صوابًا فأبوك أوله، وإن لم يكن جورًا فأبوك أسه ونحن شركاؤه، فبهديه أخذنا، وبفعله إقتدينا، رأينا أباك فعل ما فعل، فاحتذينا مثاله، واقتدينا بفعاله، فعب أباك بما بدا لك، أودع، والسلام على من أناب، ورجع من غوايته وناب) [2] .
أقول: تشترك هذه الرسالة مع سابقتها في خلوها من السند الذي يحكم من خلاله على الرواية صحة وضعفًا، لكن كانت هذه الرسالة أقل إستخدامًا للهجوم من سابقتها تجاه الطرف الآخر، فهي خالية من اللعن، كما يلاحظ خلوها من الغلو، ويلاحظ فيها كذلك التركيز على الجانب العقلي في إقامة الحجة من قبل معاوية على محمد بن أبي بكر، فقد ذكر معاوية له أن الأمر الذي سار عليه (أي معاوية) وأتباعه تجاه علي بن أبي طالب لم يكن جديد العهد بهم دون
(1) . أصلها من الرُّزْءُ: وهو المصيبة، وتقول: ما رَزَأْتُه ماله وما رَزِئْتُه - بالكسر: أي ما نقَصتُه، والمقصود هنا المعيب على أبيه والمنتقص منه، أنظر العباب الزاخر واللباب الفاخر لرضي الدين العدوي العمري ص (62) .
(2) . مروج الذهب للمسعودي (2/ 12) ، وشرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد (1/ 819) .