نعم؛ قد تعظم بنحو شرف زمانٍ أو مكانٍ؛ قال تعالى: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} أي: في الأشهر الحرم، قال قتادة: الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرًا، وسبقه إلى ذلك ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما [1] .
وفي حديثين ضعيفين: أن السيئة تضاعف في رمضان [2] ، وقال مجاهد: (تضاعف السيئة بمكة كما تضاعف الحسنة) ، وقال ابن جريج: (بلغني أن الخطيئة بها بمئة خطيئة في غيرها) [3] ، وقيل لأحمد: في شيءٍ من الحديث أن السيئة تكتب بأكثر من واحدة؟ قال: (لا، ما سمعنا إلا بمكة لتعظيم البلد) [4] ، وكذا قال إسحاق.
وينبغي حمل المضاعفة هنا على عظم جرم السيئة ومزيد العذاب عليها [5] ؛ حتى لا ينافي هذا حديثَ أحمد السابق:"ولم تضاعف عليه"وحديثَ الباب، وقولَه تعالى: {فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا} .
نعم؛ يدل على المضاعفة: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} إلا أن تحمل المضاعفة هنا على ما ذكرته [6] ، وبه يعلم أن السيئة تعظم أيضًا بشرف فاعلها وقوة معرفته باللَّه تعالى وقربه منه؛ فإن من عصى السلطان على بساطه أعظم جرمًا ممن عصاه على بعد.
ثم قوله: (وإن هم. . . إلخ) فيه دليلٌ على أن العزم لا يكتب معها، لكن مفهوم الحديث الآتي خلافه، واعتمده قاضي القضاة التقي ابن رزين من أئمتنا، فإنه أفتى بأن
(1) انظر"الدر المنثور" (4/ 186 - 187) . ونقل ذلك عن سيدنا ابن عباس رضي اللَّه عنهما حيث قال: (ما لي وبلد تضاعف فيها السيئات كما تضاعف فيها الحسنات) اهـ"مدابغي"
(2) انظر"جامع العلوم والحكم" (2/ 317) .
(3) انظر هذه الأقوال في"جامع العلوم والحكم" (2/ 318) .
(4) انظر"فتح الباري" (11/ 329) .
(5) هو المعتمد، يعني: أن هذا محمولٌ على زيادة عذاب السيئة في الكيف، لا في الكمِّ، واللَّه أعلم. اهـ هامش (غ)
(6) قوله: (بفاحشة مبينة) أي: ظاهر قبحها، وعن ابن عباسٍ رضي اللَّه عنهما: (هي النشوز وسوء الخلق وإيلام قلبه الشريف) ، وقوله: (على ما ذكرته) أي: من عظم جرم السيئة، أو لأنه ورد تعظيمًا لحق المصطفى صلى اللَّه عليه وسلم؛ لأن وقوع ذلك من نسائه يقتضي أمرًا زائدًا على الفاحشة وهو أذاه صلى اللَّه عليه وسلم. اهـ"مدابغي"