فلما أفاق عروة اقترب إليه الخليفة وقال: أحسن الله عزاءك في رجلك . فقال عروة: اللهم لك الحمد وإنّا لله وإنّا إليه راجعون . قال الخليفة: وأحسن الله عزاءك في ابنك . فقال عروة: اللهم لك الحمد وإنّا لله وإنّا إليه راجعون , أعطاني سبعة من الأولاد وأخذ واحدًا , وأعطاني أربعة أطراف وأخذ واحدًا , إن ابتلى فطالما عافا , وإن أخذ فطالما أعطى , وإني أسأل الله أن يجمعني بهما في الجنة .. ثم قدّموا له طَستًا فيه ساقهُ وقدمهُ المبتورة، فأخذ الساق يقلبها بين يديه ويقول: إنّ الله يعلم، أني ما مشيت بك إلى معصيةٍ قط، وأنا أعلم .
ومضت الأيام، وكان الخليفة الوليد يجلس في مجلسه , فدخل عليه شيخ طاعن في السن، مهشّم الوجه، أعمى البصر, فسأله عن قصته، فقال الشيخ: إني بِتُّ ذات ليلةٍ في وادٍ , وليس في ذلك الوادي أغنى مني، ولا أكثرَ مني مالًا وحلالًا وعيالًا ، فأتانا السيل بالليل، فأخذ عيالي ومالي وحلالي , فطلعت الشمس وأنا لا أملك إلا طفلًا صغيرًا وبعيرًا واحدًا , فهرب البعير فأردت اللحاق به , فلم أبتعد كثيرًا، حتى سمعت خلفي صراخ الطفل، فالتفتُّ فإذا برأسه في فم الذئب، فانطلقت لإنقاذه فلم أقدر على ذلك، فقد مزقه الذئب بأنيابه , فعدت لألحق بالبعير فضربني بخفه على وجهي , فهَشَم وجهي وأعمى بصري، فأصبحت لا مال لي ولا أهل، ولا ولد ولا بصر .. قال: وما تقول يا شيخ بعد هذا ؟ فقال الشيخ: أقول: الحمد لله الذي ترك لي قلبًا عامرًا، ولسانًا ذاكرًا .
فقال الوليد لما سمع قصته: انطلقوا به إلى عروة ليعلم أن في الناس من هو أعظم بلاءً منه .
أخي المبارك .. تخيل، لو انك أصبت بمثل ما أصيب به هذا الأعمى، وفقدت كل مالك وكل عيالك، كيف يكون حالك؟
إذن يا أخي ، لا تحزن، لا تحزن أبدًا، وقل الحمد لله، الحمد لله على كل حال .
(لعلهم يرجعون) :