الإسماعيلي لم يكونوا كالشيعة الجعفرية كالذين نعرفهم في العراق أو في إيران أو في لبنان، بل كانوا على المذهب الإسماعيلي الباطني، ونحن نعلم ما فعله الحاكم وغيره، وكانوا في أيام دولتهم يحاربون السنة ورجال السنة ورجال الحديث وعلماء المسلمين، ويؤيدون كل من سب الصحابة، حتى أنه كان عندهم شعار يقول في مصر (من لعن وسب فله دينار وإردب) من لعن الصحابة وسبهم يأخذ دينارًا من الذهب وإردبًا من القمح، حتى اضطر كثير من علماء السنة أن يهجروا مصر إلى بلاد أخرى فرارًا من هذه البدع التي أطلت برؤوسها وأصبحت شائعة ولا يستطيع أحدًا أن يردها أو يطفئ فتنتها، في هذا الجو جاء صلاح الدين إلى مصر ومكن الله له حتى زال سلطان الفاطميين تمامًا أو العبيديين هؤلاء وكان آخرهم ملكًا يسمى العاضد، كما قال ابن كثير، العاضد معناه القاطع، لا يعضد شجرها أي لا يقطع شجرها، فقطع الله به دولتهم وانتهت إلى الأبد.
صلاح الدين يعيد الناس إلى صراط الحق
جاء صلاح الدين وأحيا السنة بعد أن كادت تموت وأقام معالمها وأعاد لعلم السنة وعلماء السنة الحياة تجري في شرايين مصر من جديد وفي كل أنحاء هذه البلاد. بدأ صلاح الدين يعيد الناس إلى صراط الحق، ينفخ فيهم من روح الإيمان ويهيئ الصناع لصناعة السلاح، فلابد للأمة حينما تريد أن تلاقي عدوها من أمرين، أمر مادي وأمر روحي، لابد من هذين العنصرين أن يكتملا معًا، لابد من العنصر المادي، أن تعد لملاقاة أعدائك ما تستطيع من قوة، وهذا ما أمر الله تعالى به (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) ، (ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة) ومن فضل الله تعالى أنه لم يأمر المؤمنين أن يعدوا لأعدائهم مثل ما عندهم من قوة، فقد يكون ذلك في غير مقدورهم، إنما أمروا أن يعدوا لهم ما استطاعوا من قوة، كل ما في استطاعتهم عليهم أن يبذلوه ليعدوا لهم العدة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم"إن الله تعالى يثيب في السهم الواحد ثلاثة، صانعه يحتسب في صنعته الخير، ومنبله (أي الذي يضع السهم في مكان الرمي) ، والرامي به"هؤلاء الثلاثة يشتركون في الأجر.
هكذا كان صلاح الدين
أعد صلاح الدين رجاله وهيأ الجو العام للجهاد في سبيل الله، وكان الرجل مشغوفًا بالجهاد، من أراد من الناس أن يتقرب إليه وأن يتحدث له، حدثه عن الجهاد، فإذا حدثه عن الجهاد انشرح صدره وانفرجت أساريره وذهب عنه الهم والتعب والمعاناة، فكان يعشق الجهاد عشقًا، هكذا كان صلاح الدين، وكان رجلًا مصليًا لله، لم يدع الصلاة في جماعة عدة سنين، كان لا يصلي إلا في جماعة حتى أنه إذا أصابه مرض أو إعياء يطلب الإمام في خيمته التي ينزل بها أو في بيته الذي يسكن فيه ليصلي به إمامًا وهو مريض، حتى لا يدع الجماعة، وكان رجلًا عادلًا يقيم مجلسًا للنظر في مظالم الخلق وفي إنصاف المظلومين كل يوم اثنين ويوم خميس من كل أسبوع ويجتمع وحوله القضاة والعلماء والصالحون ويأتي الناس من كل حدب وصوب، الكبير والصغير، والغني والفقير، والرجل والمرأة، كل من عنده مظلمة يأتي ليشكو إليه مظلمته، فيرفع عنه الظلم ويعيد إليه الحق، ولو كان عند أقرب الناس إليه أو آثر الناس لديه أو أعز الناس عليه، يرغمه على أن يعطي الحق لأهله، وكان رجلًا عفيفًا عن المال الحرام، حتى إنه حينما توفي نظروا في خزانته فلم يجدوا فيها إلا سبعة وأربعين درهمًا من الفضة وقطعة ذهبية واحدة، وجدوها في خزانة هذا الرجل الذي فتح الفتوح وغنم الغنائم من الصليبيين في بلاد شتى، فتح نحو مائة مدينة من المدن، ولا شك أنه غنم فيها الكثير وغنم منها الكثير، ولكنه أنفق ذلك كله في الجهاد في سبيل الله وفي تجهيز الجيوش والجنود، فحينما مات لم يجدوا في خزانته إلا هذا المبلغ الضئيل وكان هذا الرجل رجلًا حليمًا لا يغضب إذا أسيء إليه، وكم من مرة تناوله بعض الناس بما يغضب أو ربما وقع عليه شيء يحسب الناس أنه سيطير من الغضب ويفزع ولكنه كان حليمًا متأسيًا برسول الله صلى الله عليه وسلم
مثل على شجاعته
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)