1 -من فهم من كلامه - رحمه الله - الاستعانة المطلقة وعلى الصورة التي يفعلها من يدعي الاستعانة بالجن المسلمين من تحضير الجن بنوع من التمتمات والغرف المظلمة وأشباه ذلك، فقد أبعد النجعة وحمل كلام الشيخ - رحمه الله - ما لا يحتمل، بل قد سمعت شيخنا ابن باز - رحمه الله - وقد ذكر له ذلك يشكك في نسبته إلى شيخ الإسلام.
2 -لو ثبت ذلك عن شيخ الإسلام - رحمه الله -، وتنزلنا أن كلامه يقتضي جواز مثل هذه الصور التي يفعلها البعض، فإن العصمة للرسل - عليهم السلام -، وماذا يضير الشيخ إذا كان اجتهاده في هذه المسألة مما له فيه أجر واحد حيث لم يصب فيه؟! وماذا ينقص من قدره إذا تبين أنه أخطأ في هذه المسألة، بل في مائة مثلها وقد أصاب في آلاف من المسائل؟! .. وإذا اجتهد فأخطأ في هذه المسألة وهو من أئمة المجتهدين فله عذره، وينطبق عليه ما ذكره هو - رحمه الله - في كتابه (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) .
ولكن من احتج بجمرد كلامه فلا عذر له، إذ لا حجة في قول أحد سوى الوحي المنزل.
3 -أن كلام بن تيمية - رحمه الله - في المواضع السابقة قد تضمن من التنبيهات ما يجب أن يقف معه من يأخذ بظاهر كلامه، ومن هذه التنبيهات ما يلي:
* إن الشياطين أهل مكر وغدر وتلبيس وخداع، حتى أن بعض الشيوخ انخدع بهم ولبسوا عليه، فصار يظن ما يحصل له كرامة من الله وإنما هو استدراج من الشيطان وتغرير وتلبيس، فلما تبين لبعضهم الحق تابوا وأنابوا.
وإذا كانت الشياطين كذلك فمن الذي قد ضمن لهذا المستعين بمن يسميهم مسلمين ألا يكونوا شياطين تخدع وتمكر لبوس الصالحين، لأجل استدراجه والإيقاع به وبقاصديه؟!
* من خداع هؤلاء الجن أن يخدعوا الإنسي بتحقيق غرضه وهم في الحقيقة لم يفعلوا فقد يزعمون أنهم أحضروا السحر، ويحملون له عقدًا وطلاسم ليست من السحر المزعوم في شيء، بل قد لا يكون المريض أصلًا مسحورًا، يوضح هذا ما قاله الشيخ - رحمه الله - في موضع آخر حيث قال فيمن يعزمون على الجن: (والمقصود ان أرباب العزائم من كون عزائمهم تشتمل على شرك وكفر لا تجوز العزيمة والقسم به، فهم كثيرًا ما يعجزون عن دفع الجني وكثيرًا ما تسخر منهم الجن، إذا طلبوا منهم قتل الجني الصارع للإنس أو حبسه فيخيلوا إليهم أنهم قتلوا أو حبسوه ويكون ذلك تخييلًا وكذبًا) .
* إن سؤال الجن على وجه التصديق لهم لا يجوز، ومن تأمل الاستعانة بهم وجدها أعظم من مجرد التصديق بل هي في الغالب متضمنة له مبنية عليه.
4 -إن المواضع من كلام شيخ الإسلام التي قد يُفهم منها جواز الاستعانة بالجن المسلمين قد عارضها من كلامه ما يمنع الاستعانة مطلقًا كما تقدم في أثناء أوجه المنع المتقدمة.
5 -أن ما ذكره ابن تيمية - رحمه الله - من القصة عن أبي موسى الأشعري أن أبطأ عليه خبر عمر رضي الله عنهما - وقد تمسك بها البعض - فالجواب عنها من وجوه:
الوجه الأول: أين هذا الأثر في كتب الأثر؟ فإني لم أجده إلا في كتاب: فضائل الصحابة للإمام أحمد من رواية ابنه عبد الله، قال: ثنا داود بن رشيد قال: ثنا الوليد يعني بن مسلم عن عمر بن محمد قال: ثنا سالم بن عبد الله قال: راث على أبي موسى الأشعري خبر عمر وهو أمير البصرة، وكان بها امرأة في جبتها شيطان يتكلم فأرسل إليها رسولًا فقال لها: مري صاحبك فليذهب فليخبرني عن أمير المؤمنين، قال: هو باليمن يوشك أن يأتي، فمكثوا غير طويل قالوا اذهب فأخبرنا عن أميرا لمؤمنين فإنه قد راث علينا، فقال: إن ذاك لرجل ما نستطيع أن ندنو منه إن بين عينيه روح القدس، وما خلق الله عز وجل شيطانًا يسمع صوته إلا خر لوجهه.
وقد أخرجه أيضًا بأخصر منه من طريق يحيى بن يمان عن سفيان عن عمر بن محمد بن سالم بن عبد الله.
وهذا الأثر ضعيف لما يلي:
1 -في السند الأول: الوليد بن مسلم وهو عند ابن حجر من الطبقة الرابعة من الموصوفين بالتدليس، وهم من اتفق على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ولم يصرح الوليد هنا بالسماع من عمر بن محمد.
2 -في السند الثاني: يحيى بن يمان العجلي، قال في التقريب: صدوق عابد، يخطئ كثيرًا وقد تغير.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)