وهذا الذي ذكره أبو إسحاق في «المهذب» . وحكى ابن شاس في «الجواهر» عن أصحاب مالك عكسه. والوجهان لأصحاب الشافعي، ولا بد في المسألة من تفصيل، وهو أن الشرط الثاني إن كان متأخرا في الوجود عن الأول، كان مقدرا بالفاء وتكون الفاء جواب الأول، والجواب المذكور جواب الثاني. مثاله: إن دخلت المسجد إن صليت فيه، لك أجر. تقديره: فإن صليت فيه، وحذفت الفاء لدلالة الكلام عليها. وإن كان الثاني متقدما في الوجود على الأول، فهو في نية التقدم وما قبله جوابه، والفاء مقدرة فيه. ومثله قوله عز وجل: {وَلََا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كََانَ اللََّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ} [هود: 34] أي فإن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي. وتقول: إن دخلت المسجد إن توضأت فصل ركعتين. تقديره: إن توضأت فإن دخلت المسجد فصل ركعتين، فالشرط الثاني هنا متقدم، وإن لم يكن أحدهما متقدما في الوجود على الآخر، بل كان محتملا للتقدم والتأخر لم يحكم على أحدهما بتقدم ولا تأخر، بل يكون الحكم راجعا إلى تقدير المتكلم ونيته،
فأيهما قدر شرطا كان الآخر جوابا له، وكان مقدرا بالفاء، تقدم في اللفظ أو تأخر، وإن لم يظهر نيته ولا تقديره احتمل الأمرين، فمما ظهر فيه تقديم المتأخر قول الشاعر:
إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا ... منا معاقل عز زانها الكرم
لأن الاستغاثة لا تكون إلا بعد الذعر، ومنه قول ابن دريد:
فإن عثرت بعدها إن والت ... نفسي من هاتا فقولا لا لعا
ومعلوم أن العثور مرة ثانية إنما يكون بعد الذعر.
ومن المحتمل قوله تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهََا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرََادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهََا خََالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50] ، يحتمل أن تكون الهبة شرطا، ويكون فعل الإرادة جوابا له، ويكون التقدير إن وهبت نفسها للنبي فإن أراد النبي أن يستنكحها فخالصة له، ويحتمل أن تكون الإرادة شرطا والهبة جوابا له، والتقدير: إن أراد النبي أن يستنكحها فإن وهبت نفسها، فهي خالصة له. يحتمل الأمرين، فهذا ما ظهر لي من التفصيل في هذه المسألة وتحقيقها، والله أعلم [1] .
(1) بدائع الفوائد (1/ 6043) .