وكذلك يحسن من الواحد منا أن يقول: إن كان زيد في الدار فأكرمه مع علمه بأنه في الدار، لأن حصول زيد في الدار شأنه أن يكون في العادة مشكوكا فيه فهذا هو الضابط لما تعلق على «إن» فاندفع الإشكال.
قلت: هذا السؤال لا يرد، فإن الذي قاله القوم أن الواقع ولا بد لا يعلق ب «إن» وأما ما يجوز أن يقع ويجوز ألا يقع، فهو الذي يعلق بها وإن كان بعد وقوعه متعين الوقوع. وإذا عرفت هذا فتدبر قوله تعالى: {وَإِنََّا إِذََا أَذَقْنَا الْإِنْسََانَ مِنََّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهََا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمََا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسََانَ كَفُورٌ} [الشورى: 48] كيف أتى في تعليق الرحمة المحققة إصابتها من الله تعالى، «بإذا» وأتى في إصابة السيئة «بإن» ، فإن ما يعفو الله عنه أكثر، وأتى في الرحمة بالفعل الماضي الدال على تحقيق الدال على تحقيق الوقوع، وفي حصول السيئة بالمستقبل الدال على أنه غير محقق ولا بد، وكيف أتى في وصول الرحمة بفعل الإذاقة الدال على مباشرة الرحمة لهم، وأنها مذوقة لهم والذوق هو أخص أنواع الملابسة وأشدها، وكيف أتى في الرحمة بحرف ابتداء الغاية مضافا إليه، فقال: {مِنََّا رَحْمَةً} [الشورى: 48] وأتى في السيئة بباء السببية مضافة إلى كسب أيديهم؟ وكيف أكد الجملة الأولى التي تضمنت إذاقة الرحمة بحرف «إن» دون الجملة الثانية.
وأسرار القرآن كثر وأعظم من أن تحيط بها عقول البشر.
وتأمل قوله تعالى: {وَإِذََا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلََّا إِيََّاهُ} [الإسراء: 67] ، كيف أتى بإذا هاهنا لما كان مس الضر لهم في البحر محققا بخلاف قوله: {لََا يَسْأَمُ الْإِنْسََانُ مِنْ دُعََاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ} (49) [1] [فصلت] ، فإنه لم يقيد مس الشر هنا بل أطلقه، ولما قيده بالبحر الذي هو متحقق فيه ذلك أتى بأداة «إذا» .
وتأمل قوله تعالى: {وَإِذََا أَنْعَمْنََا عَلَى الْإِنْسََانِ أَعْرَضَ وَنَأى ََ بِجََانِبِهِ وَإِذََا مَسَّهُ الشَّرُّ كََانَ يَؤُسًا} (83) [الإسراء] ، كيف أتى هنا بإذا المشعرة بتحقيق الوقوع المستلزم لليأس، فإن اليأس إنما حصل عند تحقق مس الشر له، فكان الإتيان بإذا هاهنا أدل على المعنى المقصود من «إن» ، بخلاف قوله: {وَإِذََا} [2] مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعََاءٍ عَرِيضٍ، فإنه بقلة صبره وضعف احتماله متى توقع الشر أعرض وأطال في الدعاء، فإذا تحقق وقوعه كان يئوسا.
(1) في المطبوعة «وإن مسه الشر فذو دعاء عريض» .
(2) في المطبوعة «وإن» .