فهرس الكتاب

الصفحة 248 من 490

وإذا ظهر فساد الجوابين فالصواب أن يقال: جملة الشرط والجزاء تارة تكون تعليقا محضا غير متضمن جوابا لسائل: هل كان كذا؟ ولا يتضمن لنفي قول من قال: قد كان كذا، فهذا يقتضي الاستقبال وتارة يكون مقصوده ومضمنه جواب سائل: هل وقع كذا؟ أو رد قوله: قد وقع كذا؟ فإذا علق الجواب هنا على شرط، لم يلزم أن يكون مستقبلا لا لفظا ولا معنى، بل لا يصح فيه الاستقبال بحال، كمن يقول لرجل: هل أعتقت عبدك؟ فيقول:

إن كنت قد أعتقته، فقد أعتقه الله، فما للاستقبال هنا معنى قط. وكذلك إذا قلته لمن قال:

صحبت فلانا؟ فيقول: إن كنت صحبته فقد أصبت بصحبته خيرا. وكذلك إذا قلت له: هل أذنبت؟ فيقول: إن كنت قد أذنبت فإني قد تبت إلى الله واستغفرته، وكذلك إذا قال: هل قلت لفلان كذا؟ وهو يعلم أنه علم بقوله له، فيقول: إن كنت قلته فقد علمته. فقد عرفت أن هذه المواضع كلها، مواضع ماض لفظا ومعنى، ليطابق السؤال الجواب، ويصح التعليق الخبري لا الوعدي، فالتعليق الوعدي يستلزم الاستقبال، وأما التعليق الخبري فلا يستلزمه.

ومن هذا الباب قوله تعالى: {إِنْ كََانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكََاذِبِينَ * وَإِنْ كََانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصََّادِقِينَ} (27) [يوسف] ، وتقول: إن كانت البينة شهدت بكذا وكذا فقد صدقت. وهذه دقيقة خلت عنها كتب النحاة والفضلاء، وهي كما ترى وضوحا وبرهانا، ولله الحمد.

المسألة الثالثة: المشهور عند النحاة والأصوليين والفقهاء أن أداة «إن» لا يعلق عليها إلا محتمل الوجود والعدم، كقولك: إن تأتني أكرمك. ولا يعلق عليها محقق الوجود، فلا نقول: إن طلعت الشمس أتيتك. بل تقول: إذا طلعت الشمس أتيتك. و «إذا» يعلق عليها النوعان، واستشكل هذا بعض الأصوليين فقال: قد وردت «إن» في القرآن في معلوم الوقوع قطعا، كقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمََّا نَزَّلْنََا عَلى ََ عَبْدِنََا} [البقرة: 23] ، وهو سبحانه يعلم أن الكفار في ريب منه. وقوله: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النََّارَ} [البقرة: 24] ، ومعلوم قطعا انتفاء فعلهم.

وأجاب عن هذا بأن قال: إن الخصائص الإلهية لا تدخل في الأوضاع العربية، بل الأوضاع العربية مبنية على خصائص الخلق. والله تعالى أنزل القرآن بلغة العرب وعلى منوالهم، فكل ما كان في عادة العرب حسنا أنزل القرآن على ذلك الوجه، أو قبيحا لم ينزل في القرآن، فكل ما كان شأنه أن يكون في العادة مشكوكا فيه بين الناس حسن تعليقه ب «إن» من قبل الله ومن قبل غيره، سواء كان معلوما للمتكلم أو للسامع أم لا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت