العلّامة ملك الفضلاء، ومالك أزمّة البلغاء، قاضي القضاة صدر الدين أبي الحسن علي الحنفي [1] نوّر الله ضريحه [2] من حماة المحروسة هذه الرسالة المجسّدة التي ما شفعت بمثالها، ولا سبقت بأمثالها، ولا نسج على منوالها، وهي هذه:
بسم الله الرحمن الرحيم [من الطويل]
يقبل أرضا بالعلى قد تجسدت ... لأرواح أهل العلم روضة مشتهى
وهبّت بأنفاس العلوم قبولها ... فلا زال صدر الدين منشرحا بها
ولا برح هذا الصدر مشروحا ب {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنََا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} [3] : [من الكامل]
صدر غدا رأسا لكل فضيلة [4] ... صور المعاني تلتقيه ببشرها [5]
فإذا أتى نحو الشآم مناظر ... في كل علم قابلته بصدرها
هذا وكم لهذا الرأس في العلوم من فرق دقّ على الأفهام، هو كالغرّة في جباه الأيام، لا زال المجد له حاجبا مقرونا بسعده الشامل، ولا برح بعلمه عينا لوجوه المسائل، فلله أهداب معانيه التي هي أسحر من عيون الغزلان، وأمضى من السيوف إذا برزت من الأجفان، وأصداغ فضائله التي هي عاطفة على وجنات الوجود، لأنها كالعواطر الماطرة وكم أنست عند ذكرها من سالف وكم لها في قلوب الأعداء من خدود، وندا جوده الذي إذا جاءه الشراب وجد عنده شفاه، وحلاوة نظمه الذي أنسانا ذكر العذيب وثناياه، وعنق مكارمه التي ألفت من البديع الالتفات، وأوصافه التي غدت على جيد الدهر شامات، حتى تبدلت سيّئاته بالحسنات، كفّ عنا تعب الفقر
(1) يجوز أنه قاضي قضاة الحنفية بحماة الشهير بابن القضامى (راجع «السلوك» للمقريزي ج 4ص 205 وراجع أدناه رسالة «نفثة المصدور» ص 471) أو صدر الدين أبو الحسن علي الشهير بابن الآدمي (راجع ص 15حاشية 2) .
(2) نور الله ضريحه: طب، ق، نب: نور الله ضريحه وجعل من الرحيق المختوم عبوقه وصبوحه.
(3) سورة الشرح 94/ 31.
(4) فضيلة: ها: فريضة.
(5) ببشرها: ها: بنشرها.